حكومة البلوغر

بقلم / عفاف الفرجاني
وأنا أطالع الأخبار ليلة الأمس، مر خبر مقتل أربعة أشخاص وإحراقهم داخل سيارتهم بالقرب من الجامعة بمدينة الزاوية، كما مرت قبله عشرات الأخبار التي انتهت صلاحيتها بمجرد مغادرتها شاشات الهواتف. لم يعد المشهد صادمًا بقدر ما أصبح مألوفًا، ولم يعد الدم الليبي يستدعي ذلك الارتجاج الأخلاقي الذي يفترض أن يرافق كل جريمة بهذا الحجم. كأن المجتمع دخل مرحلة من التعايش القاسي مع الموت، حتى باتت المأساة حدثًا يستهلك بسرعة ثم يلقى في أرشيف النسيان.
ليست هذه الحادثة استثناءً، وإنما مرآة لواقع يتكرر منذ انهيار نظام الجماهيرية عام 2011، حين بدأت الدولة تفقد احتكارها للعنف، وتراجع سلطان القانون أمام سلطة البندقية. ومنذ ذلك التاريخ لم يتوقف القتل، ولم تغادر الاغتيالات والجريمة المشهد، وإنما تبدلت طريقة استقبالها. فالناس لم تعد تصاب بالذهول، والإعلام لم يعد يمنحها المساحة التي كانت تحظى بها، لأن منطق الترند فرض إيقاعه على الوعي العام، فأصبح الخبر يعيش ساعات معدودة قبل أن يختفي خلف خبر أحدث.
لهذا يبدو مضللًا القول إن الاغتيالات عادت إلى الواجهة، لأنها في الحقيقة لم تغادرها يومًا، خصوصًا في المنطقة الغربية. الذي غادر هو اهتمامنا بها، حتى أصبحت بعض جرائم القتل لا تجد طريقها إلى صفحات فيسبوك، وإن وصلت إليها فإنها تغادرها سريعًا، دون نقاش جاد، ودون مطالبة حقيقية بالمحاسبة أو كشف الحقيقة.
في تقديري إن أخطر ما يهدد المجتمع الليبي ليس انتشار العنف وحده، بل اعتياد العنف. فحين يفقد الإنسان قدرته على الغضب، ويستسهل غياب القانون، والرادع الاجتماعي، ويفقد المجتمع ذاكرته، يصبح القتل مجرد رقم، وتتحول الضحية إلى خبر عابر، بينما تستمر الدائرة في الاتساع. وما يحدث اليوم في ليبيا لا يكشف فقط عن أزمة أمنية، بل عن أزمة وعي جماعي، لأن المجتمع الذي يتوقف عن السؤال أمام كل جريمة، يمنح القتلة، من حيث لا يدري، مساحة أوسع للاستمرار، ويمنح الصمت سلطة لا تقل خطورة عن الرصاص نفسه.
ولا ينصرف هذا الحديث إلى الاغتيالات التي استهدفت شخصيات عامة وتناقلتها وسائل الإعلام على نطاق واسع، وإنما إلى الجرائم اليومية التي باتت تشكل المشهد الأكثر اعتيادًا في مدن الغرب الليبي. جرائم قتل في الشوارع، واستهداف داخل المركبات، وجثث يعثر عليها في أطراف المدن، ومآدب تنتهي بمجازر دامية، ووقائع تهز الرأي العام لساعات فقط، ثم تتوارى دون أن يعرف الناس إلى أين انتهت التحقيقات. في كثير من الحالات يظل الفاعل مجهولًا للرأي العام، وحتى عندما تعلن الجهات المختصة عن فتح تحقيق أو توجيه الاتهام، فإن ذلك لا ينتهي دائما إلى محاسبة أو تنفيذ فعلي للعدالة. وهكذا تتراكم القضايا فوق القضايا، ويتحول الإفلات من العقاب، أو الانطباع بوجوده، إلى أحد أخطر إفرازات الفوضى السياسية والأمنية التي ما زالت تلقي بظلالها على ليبيا منذ سنوات، وبينما ينشغل الناس بعدِّ الضحايا، ينشغل رئيس الحكومة بقص الأشرطة، متوشحًا دور البلوجر، لا الشخصية المسؤولة، من سوق إلى سوق، ومن مول إلى مول، يفتتح إنجازات من ورق.
