مقالات الرأي

الاقتصاد الدائري في مواد البناء المحلية



بقلم/ هدى حامد الزوي

تبحث ليبيا اليوم عن حلول مستدامة وعملية لمشاريع التشييد المتنامية، وهنا يبرز مفهوم الاقتصاد الدائري كخيار استراتيجي لا غنى عنه. إن الاعتماد على المواد المحلية وإعادة تدويرها لا يسهم فقط في حماية البيئة، بل يدعم دور مواد البناء المحلية في الاقتصاد الليبي بشكل مباشر وملموس. ومن خلال دمج التقنيات الحديثة مع المعارف التقليدية، تحقق إرساء أسس متينة لنهضة عمرانية صديقة للبيئة وموفرة للتكاليف الباهظة.

يتجاوز مفهوم الاقتصاد الدائري مجرد فكرة إعادة التدوير البسيطة؛ إنه نظام بيئي متكامل يهدف إلى تقليل الهدر واستخدام الموارد الطبيعية بكفاءة قصوى طوال دورة حياتها. في السياق الليبي، يعني هذا تقليل الاعتماد على المواد المستوردة مرتفعة السعر، والتركيز على استثمار الخامات المتوفرة في البيئة المحلية وإعادة استخدام مخلفات البناء والهدم لتوليد ركام جديد عالي الجودة.

فيما تشهد المدن الشرقية، التي تمر بمراحل إعادة الإعمار، تزايدًا ملحوظًا في كميات مخلفات الهدم والبناء الناتجة عن إزالة المباني القديمة أو المتضررة. وغالبًا ما تُلقى هذه المخلفات على الطرقات وبشكل عشوائي، ما يؤدي إلى تشويه المشهد الحضري، وزيادة التلوث البصري، وانبعاث الأتربة والملوثات الهوائية، بالإضافة إلى التأثير السلبي على الموارد الطبيعية من أشجار ومسطحات خضراء.

وفي ظل التوجه العالمي نحو التنمية المستدامة والاقتصاد الدائري، برزت إعادة تدوير مخلفات الهدم والبناء كأحد الحلول البيئية والاقتصادية الفعالة، إذ يمكن تحويل هذه المخلفات إلى مواد خام تستخدم في إنشاء الطرق الفرعية، وأعمال الردم، وإنتاج الخرسانة والبلوك والمواد الإنشائية، ما يسهم في حماية البيئة وتقليل استهلاك الموارد الطبيعية.

لا شك أن دمج حلول الاقتصاد الدائري يعزز بشكل مباشر دور مواد البناء المحلية في الاقتصاد الليبي. فعندما نعتمد على الحجر الجيري المحلي، والجبس الطبيعي، والطين المعالج برؤية حديثة، فإننا نحقق عوائد اقتصادية واجتماعية ملموسة وعميقة الأثر.

وإعادة تدوير الخرسانة والركام القديم واستخدام الحجر الجيري والجبس المحلي المتوفر بكثرة في البيئة الليبية، يحقق خفض التكاليف بتصنيع وتجهيز المواد في مواقع قريبة من مشاريع التشييد ويقلل تكاليف النقل الباهظة والانبعاثات الكربونية الضارة بشكل فعال والاعتماد الذاتي وتجنب تقلبات الأسعار العالمية ببدائل محلية ذات كفاءة عالية وتكلفة مناسبة تناسب الميزانيات الوطنية.

وهذا ما اعتمدته العديد من الدول الناجحة بإعادة تدوير مخلفات البناء، من أبرزها؛ هولندا إذ تعيد تدوير أكثر من 90% من مخلفات البناء والهدم، وألمانيا تستخدم الركام المعاد تدويره في مشاريع الطرق والبنية التحتية، واليابان تطبق تشريعات تلزم بفرز وإعادة استخدام مخلفات الهدم.

كما يرى المختصون أن الاعتماد على مواد البناء المحلية، مثل كتل الطين المضغوط والجبس والحجر الجيري، بدلًا من الطوب الخرساني المستورد، يمكن أن يخفض تكلفة الهيكل الإنشائي بنحو 20–25% مع تقليل البصمة الكربونية. إضافةً إلى ذلك، تتميز هذه المواد بعزل حراري طبيعي يسهم في خفض استهلاك الطاقة، كما يسهم تشغيل المحاجر ومصانع الجبس والطوب في تنشيط الصناعات الوطنية، وخلق فرص عمل، ودعم الاقتصاد المحلي، وهو ما يجعلها خيارًا مناسبًا لمشاريع إعادة الإعمار في ليبيا.

يتطلب تطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري في قطاع التشييد الليبي تبني سياسات داعمة لاستخدام مواد البناء المحلية والمعاد تدويرها، وتطوير البنية التحتية لإعادة التدوير، وتوفير حوافز استثمارية وتمويلية للمشروعات التي تعتمد ممارسات البناء المستدام، بما يعزز كفاءة استخدام الموارد ويدعم التنمية العمرانية المستدامة.

إن استثمار مواد البناء المحلية وإعادة توظيفها وفق مبادئ الاقتصاد الدائري ليس خيارًا بيئيًّا فحسب، بل هو خطوة نحو بناء مدن مستدامة، وتقوية الاقتصاد الوطني، والحفاظ على الهوية المعمارية للأجيال القادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى