أزمة الوقود تتجاوز المحطات

بقلم/ محسن بن طاهر
لم تعد أزمة الوقود في ليبيا مجرد مشهد يتكرر أمام محطات التعبئة، بل تحولت إلى قضية تمس تفاصيل الحياة اليومية للمواطن، وتنعكس بشكل مباشر على حركته وعمله والتزاماته اليومية. ففي كل مرة تعود فيها الطوابير الطويلة أمام المحطات، يعود معها القلق والتساؤلات حول الأسباب الحقيقية التي تجعل الحصول على الوقود تحديًا في بلد يُعد من أكبر الدول المنتجة للنفط في القارة الأفريقية.
المواطن الذي يخرج من منزله منذ ساعات الصباح الأولى بحثًا عن محطة يتوفر فيها الوقود، لا يفكر كثيرًا في التبريرات التي تقدمها الجهات المختلفة، بقدر ما يبحث عن حل ينهي معاناته اليومية. فالوقت الذي يقضيه في الانتظار ينعكس على عمله وأسرته ومصالحه الشخصية، كما ينعكس على حركة النقل والخدمات والأسواق، ويزيد من حالة التذمر لدى الجميع.
وتؤكد المشاهد اليومية أن أزمة الوقود لم تعد مرتبطة فقط بتوفر المنتج، بل أصبحت ترتبط بمنظومة كاملة تشمل التوزيع والرقابة والتنظيم ومكافحة التهريب. فكل خلل في واحدة من هذه الحلقات ينعكس مباشرة على المواطن الذي يجد نفسه الطرف الأكثر تضررًا، بينما تستمر الأسئلة حول أسباب تكرار الأزمة دون الوصول إلى حلول دائمة.
وفي الوقت الذي تمتلك فيه ليبيا ثروة نفطية كبيرة، يرى كثير من المواطنين أن استمرار أزمة الوقود يمثل مفارقة يصعب تفسيرها. فالدولة التي تنتج ملايين البراميل من النفط يفترض أن تكون قادرة على توفير احتياجات السوق المحلية بسهولة، لكن الواقع يشير إلى وجود تحديات إدارية ولوجستية وأمنية تجعل هذه المهمة أكثر تعقيدًا مما يتوقعه المواطن.
ولا يمكن تجاهل دور التهريب في تعقيد المشهد، حيث تشير تقارير عديدة إلى أن كميات من الوقود المدعوم تتسرب إلى خارج الحدود أو تباع بطرق غير قانونية، وهو ما يؤدي إلى نقص المعروض في بعض المناطق، ويزيد الضغط على محطات الوقود، ويخلق سوقًا موازية يستفيد منها البعض، بينما يتحمل المواطن البسيط نتائجها.
كما أن الازدحام أمام المحطات لا يقتصر تأثيره على أصحاب المركبات فقط، بل يمتد إلى قطاع النقل العام والشاحنات وسيارات الإسعاف والخدمات العامة، الأمر الذي ينعكس على حركة الاقتصاد بشكل عام، ويؤدي في بعض الأحيان إلى ارتفاع تكاليف النقل وأسعار بعض السلع والخدمات بسبب التأخير وصعوبة الحصول على الوقود في الوقت المناسب.
وتتطلب معالجة الأزمة رؤية شاملة لا تعتمد فقط على زيادة كميات الوقود الموزعة، بل تشمل تطوير منظومة التوزيع، وتعزيز الرقابة على المحطات، واستخدام الأنظمة الرقمية لمتابعة حركة الوقود منذ خروجه من المستودعات وحتى وصوله إلى المستهلك النهائي، إضافة إلى اتخاذ إجراءات حازمة ضد التهريب والتلاعب.
كما أن التنسيق بين الجهات المعنية يعد عاملًا أساسيًّا في الوصول إلى نتائج ملموسة، فالنجاح في إدارة ملف الوقود يحتاج إلى تعاون بين المؤسسات النفطية والأجهزة الأمنية والجهات الرقابية والسلطات المحلية، بما يضمن سرعة معالجة أي اختناقات قبل أن تتحول إلى أزمة يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
وفي المقابل، يحتاج المواطن أيضًا إلى معلومات واضحة وشفافة حول أسباب أي نقص أو تأخير والخطط الموضوعة لمعالجته، فغياب المعلومة الصحيحة يفتح الباب أمام الشائعات، ويزيد من حالة القلق، ويدفع البعض إلى التزاحم والتخزين، وهو ما يفاقم المشكلة بدلًا من حلها.
ويبقى الأمل قائمًا في أن تتحول أزمة الوقود من ملف يتكرر كل فترة إلى تجربة يتم تجاوزها من خلال حلول عملية ومستدامة تضع مصلحة المواطن في المقام الأول. فالوقود ليس مجرد سلعة استهلاكية، بل هو شريان أساسي لحركة المجتمع والاقتصاد واستقراره، وتوفيره بصورة منتظمة يعد مؤشرًا مهمًّا على كفاءة الخدمات العامة وقدرة المؤسسات على تلبية احتياجات الناس وتحقيق الاستقرار الذي يتطلع إليه الجميع.
