مقالات الرأي

انهيار الصحة وغياب الدولة



بقلم/ عبد الله ميلاد المقري

ما يحدث في ليبيا لا يكاد يُصدَّق؛ إذ تُدار البلاد من قبل سلطة غير خاضعة للرقابة، ولا يبدو أن فكرة المسؤولية واردة في وعي أعضائها، كما أنها غير مدركة لحجم الكارثة التي تمر بها البلاد، ولا حتى للعقاب الذي قد يُطبَّق يومًا ما نتيجة المساهمة في الفوضى التي يُدار بها الشأن العام.

والمستفيد من هذا الوضع، بلا شك، هم العاملون في السفارات والقنصليات، وبعض الشركات الاستثمارية في الخارج، حيث تتوفر لهم حياة مستقرة بعيدًا عمَّا يجري داخل ليبيا. وقد أصبح المشهد الليبي، في ظروفه الحالية، يبدو وكأنه واقع اعتاد عليه الناس، رغم أنه لم يتغير إلى الأفضل، بل يواصل الانحدار نحو مزيد من التراجع، في صورة تجسد مفهوم “السقوط في النفق”.

وتظهر هذه المأساة بوضوح في القطاع الصحي، حيث يواجه المواطنون صعوبات كبيرة في علاج مرضاهم، خصوصًا من لا يملكون القدرة على السفر للعلاج في الخارج أو تحمل تكاليف المصحات الخاصة. فالدولة أصبحت عاجزة عن توفير العلاج المناسب داخل المستشفيات العامة، أو وقف تدهور المؤسسات الصحية من مستشفيات ومراكز وعيادات.

ويكشف واقع المستشفيات حجم الخلل، إذ أصبح حصول المريض على سرير أو خدمة طبية مناسبة مرتبطًا أحيانًا بالواسطة، حتى في الحالات الحرجة، في مشهد يناقض أبسط معايير العدالة والإنسانية. وفي المقابل، تستفيد بعض المصحات الخاصة من ضعف المنظومة الصحية، عبر تضخيم تكاليف العلاج أو إحالة المرضى إلى الخارج بمبالغ مرتفعة، غالبًا على حساب الدولة.

كما أن غياب الرقابة الفاعلة على هذه العمليات يفتح الباب أمام تضخم الفواتير والتلاعب بها، في ظل ضعف قدرة المؤسسات الرسمية على المراجعة والتدقيق، لتستمر دائرة الفساد التي يدفع المواطن ثمنها.

إن انهيار القطاع الصحي ليس نتيجة عامل واحد، بل هو انعكاس لفشل أوسع يشمل توقف إنشاء مرافق جديدة، وانتشار الفساد في توريد الأدوية والمعدات، وتراجع مستوى البنية التحتية، في وقت تتزايد فيه حاجات المواطنين للخدمات الطبية.

إن هذا الواقع يتطلب حلولًا جذرية، تبدأ أولًا بنقلة سياسية حقيقية، تقوم على وجود سلطة موحدة وقرار سيادي واحد، وتنهي مرحلة الفوضى والفساد والارتهان للخارج، وصولًا إلى إنهاء ظاهرة الميليشيات وبناء سلطة وطنية يتولى الشعب تكليفها بإدارة الشأن العام وبرقابة شديدة تمنع من انهيار هذه المؤسسات الهجينة بين الفساد والعجز الدائم.

زر الذهاب إلى الأعلى