الاقتصاد الليبي في مواجهة سيناريوهات أزمة مضيق هرمز

بقلم / عثمان الدعيكي
أعاد التصعيد العسكري في منطقة الخليج العربي، وما يرتبط به من تهديدات لحركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى الواجهة المخاوف بشأن مستقبل أسواق الطاقة العالمية وانعكاساتها على الاقتصادات المعتمدة على النفط. وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة بالنسبة لليبيا، التي يعتمد اقتصادها بصورة شبه كاملة على الإيرادات النفطية، إذ تشكل عائدات النفط أكثر من 90% من إيرادات الدولة وما يزيد على 95% من حصيلة الصادرات، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي والمؤسسات المالية الدولية، بينما يمر عبر مضيق هرمز ما يقارب 20% من تجارة النفط العالمية بحسب إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، ما يجعل أي اضطراب في المنطقة قادرًا على تغيير معادلات الاقتصاد العالمي خلال أيام.
وهنا نستعرض أبرز سيناريوهين اقتصاديين محتملين في ضوء التطورات الراهنة، وما قد يترتب على كلٍّ منهما من تداعيات وانعكاسات على الاقتصاد الليبي، الذي يواجه تحديات هيكلية وهشاشةً متزايدة.
السيناريو الأول.. اتساع الحرب وارتفاع النفط إلى أكثر من 110 دولارات
إذا تجاوزت الأزمة مرحلة المناوشات المحدودة واتسعت رقعة المواجهة العسكرية، وتوقف الحركة تمامًا في مضيق هرمز فإن أسعار النفط قد تقفز إلى ما يزيد على 110 دولارات للبرميل، وهو سيناريو يبدو إيجابيًّا للوهلة الأولى بالنسبة لليبيا التي يتراوح إنتاجها حاليًا بين 1.3 و1.4 مليون برميل يوميًّا، بما يتيح تحقيق مليارات الدولارات من الإيرادات الإضافية.
غير أن التجربة الليبية خلال سنوات الطفرة النفطية أثبتت أن ارتفاع الإيرادات لا يقود بالضرورة إلى تحسن الاقتصاد، بل قد يتحول إلى عامل يزيد من الاختلالات في غياب الإدارة الرشيدة. فالإنفاق العام يشهد توسعًا مستمرًّا، فيما تتزايد الالتزامات الحكومية بعيدًا عن التخطيط المالي طويل الأجل، بالتزامن مع استمرار الانقسام المؤسسي، وتنامي نفوذ الجماعات المسلحة، وضعف الرقابة على المال العام، وهي عوامل تجعل أي فوائض مالية عرضة للهدر أكثر من كونها فرصة لبناء اقتصاد مستدام.
وتحذر تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي باستمرار من أن الاقتصادات الريعية تصبح أكثر هشاشة عندما تعتمد على الوفرة المؤقتة في الإيرادات، إذ تؤجل الإصلاحات الهيكلية، وتتوسع في الإنفاق الجاري، بينما تتراجع الاستثمارات الإنتاجية القادرة على تنويع مصادر الدخل. كما أن ارتفاع السيولة في بيئة يغيب عنها الانضباط المالي قد يؤدي إلى زيادة الضغوط التضخمية، واتساع فجوة الفساد، وارتفاع الطلب على النقد الأجنبي، واستمرار الاقتصاد في الدوران داخل الحلقة نفسها التي تربط استقرار الدولة بسعر برميل النفط.
السيناريو الثاني.. تثبيت الهدنة وانخفاض النفط إلى أقل من 50 دولارًا
أما إذا نجحت الجهود الدولية في تثبيت الهدنة وانحسرت المخاطر الجيوسياسية، فقد تعود أسعار النفط إلى مستويات تقل عن 50 دولارًا للبرميل، وهو السيناريو الذي يمثل التحدي الأكبر للمالية العامة الليبية في ظل هيكل إنفاق يفتقر إلى المرونة.
فالمرتبات والأجور تستهلك ما يقارب 60 % من إجمالي الإنفاق العام، في حين تستنزف منظومة الدعم المليارات سنويًّا وسط استمرار التهريب وضعف الاستهداف، إضافة إلى تضخم الإنفاق التشغيلي وغياب الأولويات التنموية. وفي المقابل، لا تمتلك الدولة حتى الآن قاعدة إنتاجية بديلة يمكنها تعويض أي انخفاض في الإيرادات النفطية، الأمر الذي يجعل الميزانية شديدة الحساسية لأي تراجع في أسعار الخام.
وفي هذا السيناريو قد تجد الدولة نفسها أمام خيارات صعبة، تشمل السحب من الاحتياطيات، أو تقليص الإنفاق الاستثماري، أو تأجيل تنفيذ المشروعات، أو اللجوء إلى وسائل تمويل استثنائية من بينها الاقتراض من مؤسسات التمويل الدولية التي قد تؤدي إلى زيادة معدلات التضخم، وتفاقم الضغوط على سعر الصرف، وانخفاض القوة الشرائية للمواطنين. كما أن استمرار الانقسام السياسي والفوضى الإدارية والفساد يضاعف من صعوبة إدارة الأزمة، إذ تصبح الموارد المحدودة أقل قدرة على تلبية الالتزامات المتزايدة، بينما تتراجع ثقة المستثمرين وتتقلص فرص النمو الاقتصادي.
وفي الواقع، فإن أخطر ما في هذا السيناريو لا يتمثل في انخفاض أسعار النفط وحده، بل في تزامن ذلك مع استمرار نمط الإنفاق الحالي، وغياب الاحتياطيات المالية الكافية، وتأخر تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية، وهو ما قد يحول أي أزمة مؤقتة في الأسواق العالمية إلى أزمة مالية داخلية طويلة الأمد.
إن ما يكشفه السيناريوهان هو أن الخطر الحقيقي على الاقتصاد الليبي لا يكمن في ارتفاع أسعار النفط أو انخفاضها، وإنما في استمرار هشاشة النموذج الاقتصادي القائم. فارتفاع الأسعار قد يخفي الاختلالات لبعض الوقت ويغذي الإنفاق غير المنتج، بينما يكشف انخفاضها حجم تلك الاختلالات دفعة واحدة. ولذلك فإن تحصين الاقتصاد الوطني لم يعد خيارًا بل ضرورة، تبدأ بفرض الانضباط المالي، وإقرار موازنة عامة واقعية قائمة على أولويات واضحة، وإعادة هيكلة بند المرتبات تدريجيًّا، وإصلاح منظومة الدعم لتصل إلى مستحقيها، وإخضاع الصندوق السيادي الليبي لحوكمة صارمة ومعايير شفافة، مع ضمان إيداع الفوائض النفطية في سنوات الرواج لتكوين احتياطي مالي يخفف آثار الصدمات الاقتصادية، إلى جانب تعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية، وتفعيل دورها، وتشديد إجراءات مكافحة الفساد لضمان حسن إدارة المال العام، وتنويع مصادر الدخل عبر دعم الزراعة والصناعة والسياحة والخدمات اللوجستية، وتشجيع القطاع الخاص والاستثمار المحلي والأجنبي، بما يقلل من الاعتماد المطلق على النفط. فالدول التي نجحت في تحويل الثروة النفطية إلى تنمية مستدامة لم تكن محظوظة بارتفاع الأسعار فقط، بل امتلكت مؤسسات قادرة على إدارة تلك الثروة بكفاءة، وهو التحدي الحقيقي الذي يواجه ليبيا اليوم، بصرف النظر عن أي سيناريو قد تفرضه تطورات مضيق هرمز أو أسواق الطاقة العالمية.
