التوافقات.. في أحكام الديمقراطيات والدكتاتوريات!!

بقلم / د _ مصطفى الزائدي
يستند المطالبون بالتوافق السياسي واقتسام السلطة والنفوذ إلى أن ذلك يبني حالة استقرار، ولو مؤقتة، تمكن من إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعالج الأزمات الاقتصادية والأمنية، وتمهد الطريق لتعايش سلمي، ويبررون موقفهم بأن ذلك هو البديل الأمثل للهروب من حالات الإقصاء التي تنتج انقسامًا يتسع داخل المجتمع، ويرون أن الحسم، سواء العسكري أم بالانتخاب، سينتج فائزًا وخاسرًا، وقد يقود إلى استفراد شخص أو مجموعة أشخاص بالسلطة، لكن الواقع لم يكن كالمأمول، فكل محاولات التوافق التي جرت في ليبيا منذ عام النكبة تركزت على تقاسم الغنائم بين أجنحة داخل الطرف الفبرايري الذي تمكن من السيطرة -بسبب الدعم العسكري للناتو وحلفائه- ولم تجرِ بين أطراف الصراع الحقيقية.
بالطبع، فإن عرَّابي التوافقات السابقة، والمتطابقة كليًّا في الشكل والمخرجات، يسوِّقون إلى كونها توافقات واسعة بإشراك أفراد يقدمونهم هم كممثلين للتيارات المختلفة، ثم يروجون إلى نسب حصص المرأة والمعاقين وما يسمونهم المكونات، والذين أطلقوا عليهم مؤخرًا تسمية “الشعوب الأصلية”، لكن التقاسم ظل دائمًا بين قوى ثابتة لم تتغير منذ 2012، حيث جرت أول عملية تقاسم بين التحالف والعدالة -وهما وجهان لنفس العملة- برعاية تميم بن أحمد بفندق المهاري!
لكن السؤال: هل يحقق التوافق، حتى ولو كان جديًّا وجامعًا وبمخرجات مقبولة، استقرارًا ولو مؤقتًا؟
إجابتي بالنفي القاطع تستند إلى عدة أسباب، أولها أن التوافق لا يعدو كونه عملية “ختل” بالليبي، فكل طرف يتوهم أنه قادر على خداع الأطراف الأخرى، ومن ثم الاستحواذ على كل شيء، وحتى وإن أقسموا بأغلظ الأيمان وعلى كل المصاحف، فالمتوافقون في أغلبهم يضمرون ما لا يظهرون، ولذلك سرعان ما تنهار السلطات المبنية وفقه، علاوة على عدم قدرتها على إنجاز أي شيء، لأنها تعمل على ترضية الكل، وهذا أمر يستحيل تحقيقه، فيعزفون عن اتخاذ قرارات حاسمة في أي شأن، ومن الأسباب التي أستند إليها أن أغلب التوافقات يوجد بها طرف أو اثنان مهيمنان يتمكنان من إقصاء الآخرين ويستفردان بالقرار، وعندها تنتج حالة من الدكتاتورية في أبشع صورها! وثالثها أن تجربة التوافقات عندنا مريرة، فكل سلطة توافقية جديدة تكون أسوأ بكثير من سابقتها، سواء من حيث الفساد، ومعدلات الفشل، والارتهان للأجنبي، وانعدام الأمن، والانسياق نحو الفقر، وانهيار الخدمات!
السؤال الذي سيواجهني به البعض: وما البديل؟ وكأني أبشر باليأس وأقفل كل أبواب الأمل، وأن ما أقوله ناتج عن أحكام مسبقة في الشخوص التي تجلس على طاولات التوافق! وهذا سؤال منطقي وواقعي، لكن أريد من النخب الليبية أن تنظر إلى ما يجري بمنظار من الواقعية، وأن لا نضطر لتكرار تجارب أثبتت فشلها الذريع، فلا بديل عن الحسم لبناء سلطة قوية تفرض الأمن وتحقق استقرارًا مستدامًا تستند إلى مشروع عسكري وطني وإرادة شعبية واسعة، والحل الأمثل هو البحث عن توافق واسع بين الليبيين، وليس بين أشخاص يمثلون أطرافًا محددة، وفي الحقيقة هم يبحثون عن مصالحهم، وهذه أيضًا ليست دعوة للحرب، بل إلى إجراء حوار واسع بين الليبيين، بأي آلية توضع نتائجه في وثيقة من خلال مؤتمر تأسيسي ينصب عمله على التوفيق بين آراء الشعب! وأيًّا كانت آراء البعض القليل المتأثرة بالدعاية الغربية الهدامة، فإن المؤتمرات الشعبية الأساسية أنسب وسيلة في الوقت الحالي لسبر آراء الليبيين جميعًا دون استثناء، والليبيون لديهم خبرة واسعة في هذا السياق، وتوجد آليات مجربة وفعالة يمكن أن تقود إلى اجتماعات المؤتمرات بكفاءة تفوق الآليات التي فرضها ما يسمى المجتمع الدولي عليهم لعقود!
أمّا الحل الأسهل والقابل للتنفيذ الفوري، فهو إجراء انتخابات بأي شكل لبناء سلطة لديها شرعية شعبية، ولو بقدر بسيط!
