ملفات وتقارير

أزمة الكهرباء في ليبيا

إعداد/ عبدالفتاح الشريف :

في بلدٍ من أغنى دول القارة الإفريقية نفطًا، لا تزال الكهرباء تواصل انقطاعها لساعات طويلة في معظم المناطق، وأحيانًا لسويعات قليلة في بعض المناطق المحظوظة، وخاصة في ذروة الصيف، حيث يتكرر مشهد طرح الأحمال وضجيج المولدات الخاصة والتذمر الشعبي، ليختلط تذمر المواطنين بالتصريحات الرسمية التي تعد بالحلول الجذرية لأزمة الكهرباء بعد 15 عامًا من الإنفاق بسخاء على القطاع، دون أن يصاحب هذا الإنفاق استقرار في توليد وتوزيع الكهرباء، ما يطرح سؤالًا مشروعًا، وهو: لماذا فشلت كل هذه الأموال في إنارة بيوت الليبيين ومرافقهم المختلفة؟

غياب البيانات والرقابة المؤسسية

وفي الوقت الذي تتناول فيه بعض الجهات الرسمية أرقامًا حول القدرة المركبة لمحطات التوليد، وتشير تقديرات الطلب في الذروة الصيفية (نظريًّا) إلى وجود فائض، بينما يعاني القطاع من عجز حقيقي يتجاوز الـ 2000 ميغاوات في أوقات الذروة، تكمن المشكلة الحقيقية في غياب الإحصائيات الدقيقة والمحايدة التي يمكن الاعتماد عليها لتقييم الأداء الفعلي بشكل موضوعي، حيث يتفاقم هذا الغياب مع توقف ديوان المحاسبة عن متابعة أعمال الشركة العامة للكهرباء وتعثر الرقابة المؤسسية، وبذلك لم تعد هناك جهة رقابية مستقلة تنشر تقارير تفصيلية منتظمة توضح التكلفة الحقيقية للمشاريع المنفذة، ونسب الإنجاز الفعلية مقارنة بالعقود، وكفاءة الإنفاق مقابل الطاقة المنتجة، وحجم الفاقد الفني وغير الفني، وكلفة الوقود المستهلك في التوليد. إن غياب هذه البيانات يجعل النقاش العام يدور في نطاق التقديرات والتصريحات لا الحقائق المدققة في قطاع تبلغ ميزانياته المليارات في كل سنة، ما يضعف المساءلة ويعقد تقييم الأداء.

الفجوة بين القدرة الاسمية والقدرة الفعلية

وحتى لو افترضنا صحة الأرقام المتداولة حول القدرة الكهربائية، فإن القدرة المتاحة فعليًّا غالبًا ما تقل كثيرًا عن الرقم الاسمي بسبب الأعطال المتكررة، وتأخير عمليات الصيانة، ونقص قطع الغيار، وعدم توفر الوقود. إن الفرق بين المركب والمتاح هو جوهر الأزمة التشغيلية، وهو خلل لا يمكن قياسه أو علاجه في غياب المعلومات الدقيقة عن الجاهزية الحقيقية لكل محطة، وعند معرفة المعدل السنوي لخروج الوحدات عن الخدمة.

تهريب الوقود والاعتماد على الديزل

إن تناول ملف الكهرباء في ليبيا لا يمكن تناوله بمعزل عن عمليات تهريب الديزل إلى الدول المجاورة، وذلك لاعتماد محطات التوليد اعتمادًا شبه كامل على الديزل والوقود السائل الذي يتم استيراده أساسًا لتشغيل محطات الكهرباء، ولكن نسبة كبيرة منه تجد طريقها إلى الدول المجاورة. وتشير بعض التقارير إلى أن خسائر تهريب الوقود تبلغ مليارات الدولارات سنويًّا، ما يمثل نزيفًا حقيقيًّا للموارد العامة، وهذا الأمر لا يرتب أي مسؤولية على الشركة العامة للكهرباء؛ لأن توزيع الوقود يتم تحت إشراف شركة البريقة التابعة للمؤسسة الوطنية للنفط.

وفي هذا الصدد، لا بد من الإشارة إلى أن استمرار الاعتماد على الديزل في توليد الكهرباء يرفع تكلفة إنتاج الكيلو وات/ساعة مقارنة بالغاز الذي يعتبر أقل ثمنًا من الديزل، بالإضافة إلى انخفاض كفاءة المحطات العاملة بالوقود السائل مقارنة بكفاءة محطات الدورة المركبة العاملة بالغاز، التي لا تتطلب أعمال صيانة متكررة مثل المحطات العاملة بالوقود السائل، التي تنتج انبعاثات أعلى وتلوثًا أكبر مقارنة بالغاز أو مصادر الطاقة النظيفة.

ووفقًا للبيانات المتاحة، بلغ إجمالي استهلاك الوقود (قطاع النقل + قطاع الكهرباء) في ليبيا سنة 2024 نحو 16.25 مليار دولار، منها 2.56 مليار دولار للديزل وحده.

دعم الكهرباء وارتفاع الاستهلاك

كما أنه من الضروري ربط دعم الكهرباء بالاستهلاك، حيث تباع الكهرباء في ليبيا بتعرفة منخفضة جدًّا نتيجة الدعم الواسع الذي يسهم في ارتفاع الاستهلاك، وغياب الحافز للترشيد، وارتفاع الأحمال إلى حدها الأقصى في الصيف، ما أدى إلى وجود فجوة مالية بين التكلفة الحقيقية للإنتاج وسعر البيع، ما يستنزف الخزانة العامة ويجعل أي استثمار في تحسين الكفاءة أو الصيانة الدورية غير مجدٍ اقتصاديًّا لعدم وجود تسعير يعكس التكلفة الحقيقية، وبذلك تظل الحلول الهيكلية كتحسين الشبكات وتقليل الفاقد الفني وغير الفني الناتج عن التوصيلات غير القانونية وضعف أنظمة القياس مجرد أمنيات، خصوصًا في غياب البيانات الدقيقة والتقارير الرقابية المفصلة التي تحدد حجم هذه المشكلة بدقة.

الآثار الاقتصادية لانقطاع الكهرباء

إن الانقطاعات المتكررة تعني انخفاض الإنتاجية في القطاعات الخدمية والمرافق الصناعية، كما تعني ارتفاع تكلفة تشغيل الورش والمحلات التي تعتمد على مولدات عالية التكلفة، الأمر الذي يؤدي إلى رفع أسعار السلع والخدمات، كما يؤدي الاعتماد على الديزل في توليد الكهرباء إلى ارتفاع فاتورة الوقود السنوية بشكل كبير، وبالتالي يسهم في الضغط على الميزانية العامة ويضعف قدرة الدولة على الاستثمار في قطاعات أخرى.

دروس من تجارب دول الجوار

وتكشف المقارنة الإقليمية لقطاع الكهرباء في ليبيا مع بعض دول الجوار عن نجاحات واضحة يمكن الاستفادة منها، مثل تطور القطاع في مصر نتيجة التوسع الكبير في محطات الدورة المركبة عالية الكفاءة، وتقليل الاعتماد على الوقود السائل، وكذلك تنويع مصادر توليد الطاقة بمزيج يحتوي على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والتوليد الهيدروليكي من مياه السد العالي، مع الاستعداد لاستقبال طاقة إضافية عبر مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي.

أما في الجزائر، فتكشف المقارنة عن استمرار الاستثمار في تحديث المحطات ورفع كفاءتها التشغيلية، وقد تم التركيز في تونس على إدارة الطلب والشراكات مع القطاع الخاص.

ومن هنا نخلص إلى أن القاسم المشترك بين هذه التجارب هو وضوح البيانات مع وجود هيئات تنظيمية ورقابية فاعلة تقوم بنشر تقارير أداء دورية، بالإضافة إلى خطة وطنية طويلة الأمد، بينما يمثل غياب التقارير الرقابية التفصيلية في ليبيا أحد أبرز الفوارق مع الدول المجاورة.

تشخيص الأزمة والحلول الهيكلية

ومما سبق نخلص إلى أن ليبيا لا تعاني نقصًا في الموارد الطبيعية ولا نقصًا في الإمكانات المالية، لكنها تواجه اعتمادًا مكلفًا على الديزل، وفجوة بين القدرة الاسمية والفعلية، ودعمًا واسعًا يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة، بالإضافة إلى غياب ملحوظ للبيانات الرقابية المحايدة بعد توقف ديوان المحاسبة عن متابعة أعمال الشركة العامة للكهرباء، أي إن أزمة الكهرباء هي أقرب ما تكون أزمة إدارة وحوكمة منها إلى أزمة موارد، ما يتطلب إطلاق خطة وطنية معلنة بجدول زمني واضح يرفع من كفاءة الإنتاج والتوزيع، بتقليل الاعتماد على الديزل، والتحول التدريجي إلى محطات أكثر كفاءة، وتحديث الشبكات، وتقليل الفاقد عبر العدادات الذكية.

الطاقة الشمسية.. الحل الأكثر جدوى

إن الحل العملي والأكثر جدوى لأزمة الكهرباء في ليبيا هو تنويع مصادر الطاقة بالتوجه إلى الطاقة الشمسية والتوسع التدريجي في بناء مزارع الطاقة الشمسية، حيث تتمتع البلاد بمقومات استثنائية تجعلها مرشحة لتكون رائدة في هذا المجال، وذلك بوقوعها في قلب الحزام الشمسي، وتمتعها بأكثر من 3200 ساعة من السطوع الشمسي سنويًّا، ومستوى إشعاع شمسي مرتفع يصل إلى 6 كيلو وات/ساعة لكل متر مربع، ويزيد إلى 8.1 كيلو وات/ساعة في المناطق الجنوبية، حيث تغطي الصحراء الليبية نحو 80.5٪ من مساحة البلاد، وتقدر الطاقة التي يستقبلها كل كيلومتر مربع منها بمعدل 1.5 مليون برميل من النفط الخام سنويًّا.

مكاسب التحول إلى الطاقة الشمسية

ويحقق التحول إلى الطاقة الشمسية عدة مكاسب، من بينها:

1. خفض تكاليف التشغيل والمساهمة بشكل جذري في تقليل فاتورة استيراد الديزل والوقود السائل، ما يوفر المليارات من الدولارات سنويًّا كانت تذهب لتشغيل محطات عاملة بكفاءة منخفضة جدًّا.

2. توفير الوقود للتصدير، لأن كل لتر ديزل أو برميل نفط خام لا يتم حرقه محليًّا لتوليد الكهرباء يمكن توجيهه للتصدير، ما يزيد من الإيرادات النفطية للدولة ويعزز قيمتها في الأسواق العالمية.

3. تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد شبه الكلي على الوقود الأحفوري، وتعزيز أمن الطاقة الوطني، والحد من التلوث البيئي.

الخلاصة:

ومما سبق نخلص إلى أن ليبيا لا تعاني نقصًا في الموارد الطبيعية ولا نقصًا في الإمكانات المالية، لكنها تواجه اعتمادًا مكلفًا على الديزل، وفجوة بين القدرة الاسمية والفعلية، وتآكل الشبكات، ودعمًا واسعًا يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة، بالإضافة إلى غياب ملحوظ للبيانات الرقابية المحايدة، وغياب الإرادة الإصلاحية والتخطيط الاستراتيجي، أي إن أزمة الكهرباء هي أقرب ما تكون أزمة إدارة وحوكمة منها إلى أزمة موارد، مما يتطلب إطلاق خطة وطنية معلنة بجدول زمني واضح يرفع من كفاءة الإنتاج والتوزيع، بتقليل الاعتماد على الديزل، والتحول التدريجي إلى محطات أكثر كفاءة، وتحديث الشبكات، وتقليل الفاقد عبر العدادات الذكية، والتوسع الطموح في إنشاء مزارع الطاقة الشمسية، واستغلال الإمكانات الهائلة التي تتمتع بها البلاد، واعتبار هذا المسار أحد العناصر الداعمة للاستقرار المنشود لتخفيف العبء عن المواطن، وتحويل ليبيا من دولة تعاني العتمة رغم ثرواتها إلى دولة رائدة في الطاقة النظيفة.

زر الذهاب إلى الأعلى