المبيدات المحظورة خطر صامت

بقلم: إبراهيم البسطامي
إن سلامة الغذاء لم تعد قضية فنية تقتصر على المختبرات أو الجهات الرقابية، بل أصبحت أحد أهم مؤشرات الأمن الصحي والاستقرار الاقتصادي والتنمية المستدامة. فالغذاء الآمن هو أساس بناء الإنسان السليم، وأي خلل في منظومة إنتاجه أو تداوله أو الرقابة عليه قد يؤدي إلى عواقب صحية واقتصادية وبيئية جسيمة.
وفي ظل التطورات المتسارعة التي يشهدها القطاع الزراعي، برزت تحديات جديدة تتعلق بالاستخدام غير المشروع للمبيدات الزراعية، وخاصة المبيدات المحظورة دوليًّا أو وطنيًّا، التي أثبتت الدراسات العلمية آثارها السامة على الإنسان والبيئة. ويكمن الخطر في أن بقايا هذه المواد قد تبقى عالقة بالمحاصيل الزراعية أو تتسرب إلى التربة والمياه، لتدخل السلسلة الغذائية وتصل إلى المستهلك، مسببةً آثارًا قد لا تظهر إلا بعد سنوات من التعرض المستمر.
إن الاستخدام العشوائي للمبيدات أو الاتجار بمواد غير مرخصة لا يهدد صحة الفرد فحسب، بل يمس الأمن الغذائي للدولة، ويقوض ثقة المستهلك بالمنتجات الزراعية المحلية، ويعرض الصادرات الوطنية للرفض في الأسواق الدولية نتيجة تجاوز الحدود المسموح بها من متبقيات المبيدات.
ومن هنا، فإن الدور الذي تضطلع به أجهزة إنفاذ القانون والجهات الرقابية في مكافحة الاتجار بالمبيدات المحظورة يمثل ركيزة أساسية لحماية الصحة العامة. فعمليات الضبط والتفتيش، وإحالة المخالفين إلى القضاء، والتحفظ على المواد الخطرة، وإغلاق أماكن تخزينها، ليست مجرد إجراءات قانونية، وإنما رسائل واضحة بأن سلامة غذاء المواطن خط أحمر لا يقبل المساومة.
كما أن نجاح منظومة سلامة الغذاء لا يتحقق بالرقابة وحدها، بل يتطلب شراكة حقيقية بين المزارع، والمورد، والتاجر، والجهات المختصة، والمستهلك. فالمزارع مسؤول عن الالتزام بالممارسات الزراعية الجيدة، والتاجر مسؤول عن عدم تداول المنتجات المخالفة، والجهات الرقابية مسؤولة عن تطبيق القانون، والمستهلك مسؤول عن اختيار مصادر موثوقة والإبلاغ عن أي مخالفات.
إن الاستثمار في سلامة الغذاء هو استثمار في صحة الإنسان، وتقليل الإنفاق على الرعاية الصحية، وحماية البيئة، وتعزيز الاقتصاد الوطني. وكل دينار يُنفق على الوقاية والرقابة يوفر أضعافه من الخسائر التي قد تنجم عن انتشار الأمراض المنقولة بالغذاء أو تداول المنتجات الملوثة.
ولذلك، فإن تعزيز التشريعات، وتحديث أنظمة الرقابة، ودعم المختبرات المرجعية، ونشر الوعي بين المزارعين والمستهلكين، تمثل جميعها ركائز لا غنى عنها لبناء منظومة غذائية آمنة ومستدامة، تواكب المعايير الدولية وتحافظ على حق الإنسان في غذاء آمن وصحي.
