ملفات وتقارير

عودة التوتر العسكري بين طهران وواشنطن




تقرير – سيد العبيدي:

لم يكد الدخان يتبدد من جولات المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران، حتى عادت المنطقة إلى مربع التصعيد مجددًا، وذلك بعد قيام القوات الأمريكية بشن غارات جوية مكثفة خلال اليومين الماضيين على السواحل الإيرانية، بينما ردت طهران باستهداف المصالح الأمريكية في المنطقة، وذلك وسط مؤشرات متزايدة على انهيار التفاهمات الهشة “مذكرة التفاهم” التي نجحت الوساطات الإقليمية في بنائها خلال الأسابيع الماضية.

وفي الوقت الذي كانت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تراهن على أن الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية ستدفع طهران إلى تقديم تنازلات جوهرية في الملف النووي، جاءت التطورات الأخيرة لتكشف أن الحسابات الأمريكية جميعها خاطئة ولم تسر كما هو مخطط لها من قبل ترامب وإدارته.

جنازة تحولت إلى استفتاء سياسي

فقد حملت مراسم تشييع المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي رسائل سياسية تتجاوز بكثير الطابع الجنائزي، بعدما شهدت مشاركة شعبية جماهيرية واسعة رفعت شعارات تؤكد استمرار نهج المواجهة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، وتصاعدت الهتافات المطالبة بالانتقام، وظهرت لافتات تستهدف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بصورة مباشرة، الأمر الذي دفع البيت الأبيض إلى رفع مستوى التأهب الأمني وإطلاق تحذيرات غير مسبوقة لطهران.

كما عكست المشاركة الشعبية الواسعة في مراسم التشييع، والخطاب الذي تبنته القيادة الإيرانية الجديدة، صورة دولة نجحت في تحويل الأزمة إلى عنصر تعبئة وطنية، واستفتاء جديد على شرعية النظام الإسلامي في إيران.

وتشير دوائر أمريكية وغربية إلى أن هذا المشهد بدد جزءًا كبيرًا من الرهان على حدوث انقسامات داخلية، بل منح القيادة الإيرانية الجديدة مساحة أوسع لتبني مواقف أكثر تشددًا في ملفات التفاوض، خاصة الملف النووي الإيراني، ما زاد من حالة التخبط لدى واشنطن ودفعها إلى تبني خيارات متناقضة ما بين العمل العسكري والدبلوماسية في التعاطي مع الأزمة في الشرق الأوسط.

إحباط داخل الإدارة الأمريكية


في سياق متصل، كشفت التصريحات الأخيرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن حجم التوتر داخل الإدارة الأمريكية، إذ انتقل الخطاب من الحديث عن إمكانية التوصل إلى تفاهم جديد، إلى لغة التهديد المباشر، مع تأكيده أن الولايات المتحدة تمتلك القدرة على توجيه ضربات واسعة إذا تعرض لأي محاولة استهداف أو جرى اغتياله، كما أعلن عمليًّا انتهاء التفاهمات السابقة مع إيران، معتبرًا أن طهران لم تلتزم بما تم الاتفاق عليه. حسب قوله.

ويصف محللون التحول بأنه يعكس شعورًا بالإحباط داخل واشنطن بعد فشل استراتيجية “الضغط العسكري السريع”، والتي كانت تستهدف إجبار إيران على القبول بشروط أمريكية تتعلق بالبرنامج النووي والصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي.

العقدة النووية.. نقطة الخلاف الأساسية


ورغم استمرار الاتصالات غير المباشرة عبر الوسطاء، فإن الخلاف الحقيقي لا يزال يتمحور حول البرنامج النووي الإيراني، فالولايات المتحدة تطالب بتسليم أو التخلص من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، مع فرض رقابة صارمة ودائمة على المنشآت النووية، باعتبار ذلك شرطًا أساسيًّا لأي اتفاق جديد.

أما إيران فتعتبر أن التخلي الكامل عن برنامجها النووي يمثل تنازلًا يمس سيادتها، وتؤكد أن حقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية غير قابل للتفاوض، مع رفضها تسليم مخزونها الاستراتيجي قبل الحصول على ضمانات سياسية واقتصادية واضحة، ولهذا السبب، لم تحقق الجولات التفاوضية الأخيرة أي اختراق حقيقي، رغم استمرار الوساطات الإقليمية.

مضيق هرمز.. الورقة الأخطر


وبعيدًا عن الملف النووي، يبرز مضيق هرمز باعتباره أخطر عناصر الأزمة الحالية، فالمضيق الذي يمر عبره نحو خمس تجارة النفط العالمية أصبح محورًا رئيسيًّا للصراع، بعد تعرض عدد من السفن لهجمات متكررة، وإصرار واشنطن على ضمان حرية الملاحة الدولية. وتطالب الولايات المتحدة إيران بتعهد علني بوقف أي استهداف للسفن التجارية وإعادة فتح الممر البحري بصورة آمنة، بينما تتمسك طهران بحقها في إدارة أمن المنطقة وترفض الضغوط الأمريكية، معتبرة أن الوجود العسكري الأمريكي هو أصل الأزمة.

وفي هذا الجانب، تدرك واشنطن أن أي تعطيل طويل للمضيق ستكون له انعكاسات اقتصادية عالمية، سواء على أسعار النفط أو حركة التجارة الدولية، وهو ما يجعل هذا الملف أكثر حساسية من الملف النووي نفسه.

هل انهارت الدبلوماسية؟

رغم التصعيد الإعلامي والعسكري، فإن قنوات الاتصال لم تُغلق بالكامل، حيث تقود سلطنة عمان، إلى جانب قطر وتركيا وعدد من الدول الإقليمية، جهودًا مكثفة لمنع انهيار المسار السياسي، فيما تستمر الاتصالات الفنية بين مسؤولين من الجانبين لمحاولة التوصل إلى تفاهمات جزئية تمنع العودة إلى حرب شاملة. لكن المشكلة أن الثقة بين الطرفين تكاد تكون معدومة، حيث ترى الولايات المتحدة الأمريكية أن إيران تستغل الوقت لإعادة ترتيب قدراتها العسكرية والنووية، بينما تعتقد طهران أن الإدارة الأمريكية تستخدم المفاوضات كوسيلة لفرض الاستسلام وليس للوصول إلى اتفاق متوازن.

التهديدات ضد ترامب

إلى ذلك، زاد التوتر بين الجانبين مع تجدد الحديث داخل الولايات المتحدة عن تهديدات قد تستهدف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خلفية سياسة “الضغوط القصوى” التي انتهجها ضد إيران، واغتيال قائد “فيلق القدس” السابق قاسم سليماني مطلع عام 2020.

وفي الأشهر الأخيرة، رفعت الأجهزة الأمنية الأمريكية مستوى الحماية لترامب، بينما أكدت وزارة العدل والسلطات الفيدرالية أنها تتابع ما تصفه بمحاولات مرتبطة بإيران لاستهداف مسؤولين أمريكيين سابقين وحاليين. غير أن واشنطن لم تعلن حتى الآن عن وجود خطة إيرانية مؤكدة أو وشيكة لاغتيال ترامب، فيما تنفي طهران باستمرار هذه الاتهامات وتعتبرها جزءًا من الحرب السياسية والإعلامية ضدها. لذلك، لا تزال هذه القضية في إطار الاتهامات والتحذيرات الأمنية المتبادلة، وليست حقيقة مثبتة بأدلة معلنة.

سيناريوهات أمام الحرب والدبلوماسية

رغم حدة التصعيد، فإن المسار الدبلوماسي لم يصل إلى طريق مسدود بالكامل، ويمكن رسم ثلاثة سيناريوهات رئيسية، الأول يقوم على تفاهم مؤقت تتعهد إيران بموجبه بخفض مستوى تخصيب اليورانيوم، وعدم استهداف الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تخفيف جزئي للعقوبات والإفراج عن بعض الأصول الإيرانية المجمدة، أما الثاني، فهو استمرار “اللاحرب واللاسلم، وهو السيناريو الذي تعيشه المنطقة بالفعل، حيث تستمر الضغوط الاقتصادية، وتتواصل العمليات الاستخباراتية والهجمات السيبرانية، مع ضربات محدودة عبر الوكلاء، دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

أما السيناريو الثالث، فهو انهيار المفاوضات إذا فشلت الوساطات الإقليمية، وأقدمت إيران على رفع مستوى تخصيب اليورانيوم بصورة كبيرة، أو تعرضت القوات الأمريكية أو الملاحة الدولية لهجوم واسع، فقد تنهار كل قنوات الاتصال، وتتحول الأزمة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

لماذا تتجنب واشنطن وطهران الحرب الشاملة؟

رغم تبادل التهديدات، يدرك الطرفان أن الحرب ستكون مكلفة للغاية، فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري، ستكون أمام مواجهة قد تمتد إلى عدة ساحات في الشرق الأوسط، مع مخاطر على قواعدها العسكرية ومصالحها الاقتصادية وحلفائها. وفي المقابل، تعلم إيران أن أي حرب واسعة قد تستهدف منشآتها النووية والعسكرية والبنية التحتية الحيوية، في ظل استمرار العقوبات الاقتصادية التي أضعفت اقتصادها خلال السنوات الأخيرة. لهذا، يميل الطرفان إلى سياسة الردع المتبادل؛ أي رفع مستوى التهديد دون تجاوز الخط الذي يؤدي إلى حرب شاملة.

الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة

كذلك تتجاوز الأزمة الحالية حدود العلاقة الثنائية بين واشنطن وطهران، إذ ترتبط مباشرة بأمن الخليج، ومستقبل البرنامج النووي الإيراني، وحركة التجارة العالمية، وأسعار الطاقة، فضلًا عن توازنات القوى في العراق وسوريا ولبنان واليمن. كما أن أي اتفاق أو مواجهة جديدة سيؤثر على حسابات القوى الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها الكيان الصهيوني وروسيا والصين والدول الخليجية، التي تتابع تطورات الأزمة باعتبارها عاملًا حاسمًا في رسم خريطة الأمن الإقليمي خلال السنوات المقبلة.

زر الذهاب إلى الأعلى