مقالات الرأي

من عقيدة الصدمة والترويع إلى عقيدة القيادة من الخلف



بقلم/ محمد عبدالقادر

يُقصد بالقيادة من الخلف استخدام أبناء البلد كوقود لإشعال الحروب في بلدانهم ضد دولهم وبني جلدتهم لمصلحة الغرب، وحتى تنطلي اللعبة لا بأس من استخدام الشعارات المتصلة بحماية المدنيين وحقوق الإنسان ومحاربة الطغاة وإحلال أنظمة تابعة تُوصف بالديمقراطية حسب منهج أمريكي صارم وغيرها… إلخ.

هذا الطرح وبهذا المفهوم المضلل يفرض علينا أن نعمل على تفكيك الاستراتيجية الغربية التي طبقت في ليبيا لمعرفة التطور الذي حدث في التفكير الاستراتيجي الغربي من الحالة التي ظهر بها في العراق إلى الحالة التي ظهر بها في سوريا وليبيا واليمن وغيرها.

في عام 2003، اختبر العالم العربي ذروة القوة العسكرية الخشنة عبر عقيدة “الصدمة والترويع” خلال غزو العراق، لكن النتيجة جاءت مكلفة جدًّا للغازي؛ إذ تحول العراق إلى مستنقع استنزف لأمريكا مالًا ورجالًا، ما أجبر العقل الاستراتيجي الغربي على مراجعة أدواته، وتطوير استراتيجيته والتي سماها “القيادة من الخلف” أو ما يُعرف تاريخيًّا بـ “قوة الظهير”.

والمعنى البسيط لهذه العقيدة هو “القتال بالنيابة”؛ أن تقنع طرفًا محليًّا بأنه يقاتل لأجل أهدافه، بينما هو في الحقيقة وقود يُحْرَق لتحقيق مآرب الغرب وبأقل كلفة ممكنة، وتحت شعارات براقة كـ “حماية المدنيين” و”محاربة الطغاة”.

لم تكن أحداث ليبيا عام 2011 تطبيقًا لعقيدة الصدمة الكلاسيكية، بل نموذجًا متطورًا من “الحروب الهجينة”، استُبدل فيها التدخل البري المباشر بتوظيف وُكَلاء محليين، واكتفى الناتو بتقديم الدعم اللوجستي، والاستخباراتي، والغطاء الجوي.

إن الهدف الحقيقي وراء إسقاط النظام الليبي لم يكن رغبة في التغيير السياسي، بل السيطرة على موقع جيوسياسي استراتيجي يربط المتوسط بأفريقيا، ووضع اليد على ثروات نفطية وغازية هائلة، فضلًا عن تحييد قيادة كانت تسعى إلى بناء تكتلات اقتصادية ومشاريع تمويلية مستقلة تهدد النفوذ الغربي في القارة السمراء.

وتأكيدًا لهذا الطرح، يشير اللفتنانت جنرال الفرنسي “بينيت كومبز” أو كوزينز” ــ حسب الترجمة اللاتينيةــ في مذكراته إلى أن العمليات العسكرية تجاوزت تفويض حماية المدنيين إلى تدمير البنية التحتية ومؤسسات الدولة بشكل ممنهج لخلق فراغ سياسي.

وفي السياق ذاته، خلص تحقيق مطول لصحيفة “نيويورك تايمز” إلى أن التدخل أنتج “دولة فاشلة ومختبرًا للإرهاب”، مؤكدة أن غياب رؤية ما بعد الحرب كان مقصودًا لإدخال البلاد في دوامة “الفوضى الخلاقة”. كما اعترف تقرير لجنة الشؤون الخارجية بمجلس العموم البريطاني بأن التقييمات الاستخباراتية كانت مدفوعة بأجندات سياسية، وأدت إلى انهيار اقتصادي واجتماعي وانتشار الأسلحة.

هذا التحول يختصره الجنرال البريطاني “روبرت سميث” في كتابه (فائدة القوة) بقوله: «لقد انتهى عصر الحروب الصناعية الكبرى (جيش ضد جيش). نحن نعيش الآن في عصر “الحرب وسط الناس”، حيث لا يمكن حسم المعركة بتدمير العدو، بل يتطلب الانتصار كسب عقول وقلوب السكان». وهو الأمر الذي دمرته عقيدة الصدمة سابقًا، واستعاضت عنه العقيدة الجديدة بتفكيك الركائز السيادية للدولة من الداخل.

في المحصلة، أثبت النموذج الليبي أن الاستراتيجيات الحديثة لم تعد بحاجة إلى إرسال الجيوش لاحتلال العواصم؛ بل يكفيها تفكيك المجتمعات، وتوجيه الرأي العام، واستغلال التناقضات المحلية، لتسقط الدول في فراغ أمني ممتد، وتتحقق الهيمنة الغربية على المقدرات دون صخب الغزو التقليدي.

زر الذهاب إلى الأعلى