مبادرة بولس بين الزخم الدولي والحذر الليبي

متابعات – الموقف الليبي
تكثفت خلال الأسابيع الأخيرة التحركات الأمريكية المرتبطة بالملف الليبي، في مؤشر يعكس اهتمامًا متجددًا من واشنطن بإعادة تنشيط مسار التسوية السياسية بعد سنوات من الجمود والانقسام المؤسسي، وجاءت جولات مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية، مسعد بولس، ولقاءاته مع مسؤولين سياسيين وعسكريين وقيادات من مختلف المناطق الليبية، بالتزامن مع حراك إقليمي ودولي شمل اتصالات وزيارات لمسؤولين أمنيين من دول معنية بالملف الليبي، في مقدمتها مصر وتركيا، إضافة إلى استمرار التنسيق مع بعثة الأمم المتحدة والدول الأوروبية المنخرطة في جهود التسوية.
ورغم أن واشنطن لم تعلن عن وثيقة رسمية تتضمن تفاصيل مبادرة متكاملة أو جدولًا زمنيًّا لتنفيذها، فإن مجمل التحركات والرسائل السياسية الصادرة عنها تشير إلى توجه يركز على توحيد مؤسسات الدولة باعتباره مدخلًا لمعالجة الأزمة، بدلًا من حصر الجهود في الدفع نحو إجراء الانتخابات، ويعكس هذا التوجه قراءة أمريكية مفادها أن تعثر الاستحقاقات الانتخابية خلال السنوات الماضية لم يكن نتيجة خلافات قانونية أو دستورية فحسب، بل ارتبط أيضًا باستمرار الانقسام داخل المؤسسات التنفيذية والسيادية والأمنية، وهو ما حال دون تنفيذ أي توافقات سياسية بصورة مستقرة.
وتأتي هذه التحركات في وقت لا تزال فيه ليبيا تعيش حالة من الاستقرار الهش، في ظل استمرار الانقسام السياسي، وتعدد مراكز القرار، وتعثر جهود بعثة الأمم المتحدة في التوصل إلى توافق شامل بشأن القضايا الخلافية، وفي مقدمتها تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، وتحديد قاعدة دستورية توافقية، وإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية.
من الانتخابات إلى توحيد المؤسسات
خلال الأعوام الماضية، ظلت الانتخابات تمثل العنوان الرئيس للمبادرات الدولية الرامية إلى إنهاء المرحلة الانتقالية، غير أن تعثر انتخابات ديسمبر 2021 وما أعقبها من انقسام سياسي جديد دفع عددًا من الفاعلين الدوليين إلى إعادة تقييم أولوياتهم، وفي هذا السياق، يبدو أن المقاربة الأمريكية الحالية تنطلق من فرضية مختلفة، تقوم على أن نجاح أي عملية انتخابية يظل مرتبطًا بوجود مؤسسات دولة موحدة وقادرة على إدارة الاستحقاق وتنفيذ نتائجه، وليس بمجرد الاتفاق على موعد للاقتراع.
وفي هذا الإطار، ركزت اللقاءات التي أجراها مسعد بولس والسفير الأمريكي مع مختلف الأطراف الليبية على الاستماع إلى رؤاهم بشأن آليات توحيد المؤسسات، وسبل تجاوز حالة الانقسام، مع تجنب الخوض في مواعيد انتخابية محددة، ويُقرأ هذا التوجه بوصفه محاولة لاختبار فرص التوافق حول الملفات الأقل إثارة للخلاف، تمهيدًا للانتقال لاحقًا إلى القضايا السياسية والدستورية الأكثر تعقيدًا.
الحراك الإقليمي والدولي.. توافقات قيد الاختبار
لم يقتصر الحراك المرتبط بالمبادرة الأمريكية على اللقاءات التي أجراها مسعد بولس، مع الأطراف الليبية، بل تزامن مع نشاط دبلوماسي وأمني لافت شمل عددًا من العواصم المعنية بالملف الليبي، ويعكس هذا التزامن إدراكًا متزايدًا لدى الأطراف الدولية بأن أي مسار سياسي جديد لن يكون قابلًا للاستمرار ما لم يحظ بحد أدنى من التفاهم بين القوى الإقليمية المؤثرة، التي ظل دورها حاضرًا في مختلف مراحل الأزمة الليبية منذ عام 2011.
وفي هذا السياق، اكتسبت جولات بولس أهمية خاصة، ليس فقط من حيث توقيتها، وإنما لطبيعة الرسائل التي حملتها، إذ شملت لقاءاته قيادات من الشرق والغرب، إلى جانب مسؤولين حكوميين وعسكريين وشخصيات سياسية، في محاولة لاستطلاع مواقف مختلف الأطراف من فكرة إعادة ترتيب أولويات المرحلة المقبلة، وتوحيد المؤسسات، ويشير اتساع دائرة اللقاءات إلى أن واشنطن تتجنب حصر اتصالاتها في طرف بعينه، في محاولة للحفاظ على توازن علاقاتها مع مختلف الفاعلين الليبيين، وعدم منح انطباع بانحيازها إلى معسكر دون آخر.
وبالتوازي مع ذلك، شهدت ليبيا سلسلة من الزيارات والاتصالات التي أجراها مسؤولون أمنيون رفيعو المستوى، من بينهم رؤساء أجهزة الاستخبارات في عدد من الدول، أبرزها مصر وتركيا، إضافة إلى استمرار المشاورات مع أطراف أوروبية معنية باستقرار جنوب المتوسط، ورغم اختلاف أهداف هذه التحركات، فإن تزامنها مع النشاط الأمريكي يعكس وجود اهتمام دولي وإقليمي متجدد بتهيئة الظروف أمام مرحلة سياسية جديدة، في ظل إدراك متزايد بأن استمرار حالة الجمود يفرض تحديات تتجاوز الداخل الليبي، لتطال ملفات الأمن الإقليمي، والهجرة غير النظامية، وأمن الطاقة، ومكافحة الإرهاب.
وتبقى مصر وتركيا من أبرز الفاعلين الإقليميين في الملف الليبي، وإن اختلفت أولويات كل منهما. فالقاهرة تركز على استقرار الحدود الغربية، والحفاظ على وحدة المؤسسات العسكرية والبلد، ومنع تجدد نشاط الجماعات المسلحة، بينما تنظر أنقرة إلى ليبيا باعتبارها شريكًا استراتيجيًّا في شرق المتوسط، وتسعى إلى الحفاظ على الاتفاقات الأمنية والاقتصادية التي أبرمتها مع السلطات في طرابلس، ومع ذلك، فإن التحركات الأخيرة توحي بأن التنافس الذي طبع علاقات الطرفين في مراحل سابقة بات أقل حدة.
ردود الفعل الليبية.. ترحيب حذر وانتظار للنتائج
في الداخل الليبي، قوبلت المبادرة الأمريكية بمواقف مختلفة، بين قبول ورفض، وغلب عليها طابع الحذر والترقب في بعض الأحيان، ويعود ذلك، في جانب منه، إلى أن المبادرة لم تُطرح حتى الآن في صورة وثيقة رسمية تحدد أهدافها وآليات تنفيذها، كما أن معظم اللقاءات التي أجراها الجانب الأمريكي اتسمت بالطابع الاستطلاعي أكثر من كونها مفاوضات حول ترتيبات نهائية.
وفي هذا الإطار، حظي البيان المشترك الصادر عن الرئاسات الثلاث باهتمام خاص، إذ أكد دعم الجهود الرامية إلى إنهاء الانقسام وتحقيق الاستقرار، مع التشديد على أن أي مسار سياسي ينبغي أن يحافظ على السيادة الوطنية، وأن يستند إلى توافق بين الليبيين. ولم يتضمن البيان تأييدًا صريحًا للمبادرة الأمريكية أو رفضًا لها، وهو ما عكس رغبة المؤسسات الرسمية في التعامل مع الحراك الدولي باعتباره فرصة تستحق المتابعة، مع تجنب إصدار مواقف نهائية قبل اتضاح معالمه.
أما داخل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، فقد اقتصرت المواقف على تصريحات لعدد من الأعضاء، رحب بعضها بأي جهد يساهم في إنهاء الأزمة، فيما شدد بعضها الآخر على ضرورة احترام اختصاصات المؤسسات المنتخبة، وألا تتحول المبادرات الخارجية إلى بديل عن الإرادة الوطنية.
هل تمثل المبادرة الأمريكية تحولًا في إدارة الأزمة؟
رغم أن المبادرة الأمريكية لا تزال في طور المشاورات، فإن التحركات التي رافقتها تشير إلى تغير نسبي في طريقة التعاطي مع الأزمة الليبية، أكثر من كونها تعكس تحولًا كاملًا في الأهداف. فخلال السنوات الماضية، انصب الاهتمام الدولي على الدفع نحو إجراء الانتخابات باعتبارها المدخل الرئيس لإنهاء المرحلة الانتقالية، بينما تركز التحرك الأمريكي الحالي على معالجة الانقسام المؤسسي بوصفه أحد أبرز العوائق أمام استقرار أي سلطة سياسية يمكن أن تفرزها صناديق الاقتراع.
ويستند هذا التوجه إلى قراءة تستخلص دروس التجربة الليبية منذ تعثر انتخابات ديسمبر 2021، حيث أظهرت التطورات أن الخلافات لم تقتصر على القاعدة الدستورية أو قوانين الانتخابات، بل امتدت إلى بنية السلطة نفسها، واستمرار تعدد المؤسسات التنفيذية والسيادية، وتداخل الاختصاصات، الأمر الذي جعل تنفيذ أي تفاهم سياسي يواجه صعوبات عملية حتى في حال التوصل إليه، ومن هذا المنطلق، يبدو أن واشنطن تحاول الدفع نحو بناء حد أدنى من التوافق المؤسسي، باعتباره خطوة تمهد لعملية سياسية أكثر استقرارًا، وليس بديلًا عنها.
وفي المقابل، لا تزال المبادرة تواجه عددًا من التحديات، في مقدمتها غياب وثيقة رسمية تحدد ملامحها بصورة واضحة، وعدم الإعلان عن جدول زمني أو آليات تنفيذ ملزمة، فضلًا عن استمرار تباين مواقف القوى السياسية الليبية حيال أولويات المرحلة المقبلة. كما أن نجاح أي ترتيبات جديدة سيظل مرتبطًا بمدى استعداد الأطراف الداخلية لتقديم تنازلات متبادلة، وباستمرار التفاهم بين القوى الإقليمية والدولية المؤثرة في الملف الليبي، وهو أمر لا يزال خاضعًا لتوازنات متغيرة.
ومن ناحية أخرى، فإن محدودية ردود الفعل المحلية لا تعني بالضرورة وجود توافق حول المبادرة، كما لا تعكس رفضًا لها، بل تشير إلى أن معظم الفاعلين الليبيين يفضلون انتظار اتضاح تفاصيلها قبل تحديد مواقف نهائية. ويبدو أن هذا الحذر يرتبط أيضًا بتجارب سابقة شهدت إطلاق مبادرات دولية لم تستكمل مراحلها التنفيذية، أو اصطدمت بخلافات داخلية وإقليمية حالت دون تحقيق أهدافها.
إلى أين تتجه المبادرة؟
في ضوء المعطيات الحالية، يصعب إصدار حكم نهائي بشأن فرص نجاح المبادرة الأمريكية، إذ لا تزال في مرحلة بناء التوافقات السياسية والدبلوماسية أكثر من كونها مشروعًا تنفيذيًا متكاملًا. غير أن الحراك الذي رافقها يعكس عودة الاهتمام الدولي بالملف الليبي، ومحاولة إعادة ترتيب أولويات التسوية عبر التركيز على توحيد مؤسسات الدولة، بالتوازي مع الحفاظ على هدف الوصول إلى انتخابات تنهي المراحل الانتقالية الممتدة.
وفي الوقت نفسه، تبقى قدرة هذه الجهود على تحقيق اختراق حقيقي مرهونة بعوامل عدة، من بينها توافق الأطراف الليبية على آليات إعادة هيكلة المؤسسات، واستمرار التنسيق بين الفاعلين الإقليميين والدوليين، وقدرة الأمم المتحدة على المحافظة على دورها بوصفها المظلة الدولية للمسار السياسي، بما يحد من مخاطر تعدد المبادرات أو تضاربها.
وبذلك، فإن المبادرة الأمريكية تمثل، حتى الآن، إطارًا سياسيًّا قيد التشكل أكثر من كونها خطة نهائية للحل. أما نتائجها فستظل مرتبطة بما ستسفر عنه المشاورات الجارية، ومدى قدرة مختلف الأطراف على تحويل التفاهمات الأولية إلى خطوات عملية قابلة للتنفيذ.
تباين حول المبادرة ونتائجها
تكشف التحركات الأمريكية الأخيرة عن محاولة لإعادة ترتيب أولويات معالجة الأزمة الليبية، عبر الدفع نحو توحيد المؤسسات بوصفه مدخلًا لتوفير بيئة أكثر استقرارًا للاستحقاقات السياسية المقبلة. وفي المقابل، تعكس ردود الفعل الليبية حالة من الترقب والحذر، في ظل غياب تفاصيل رسمية للمبادرة، وتفضيل معظم القوى السياسية انتظار ما ستؤول إليه المشاورات الجارية.
وبين الحراك الأمريكي، والاتصالات الإقليمية، ودور الأمم المتحدة، تبدو ليبيا أمام مرحلة جديدة من الاختبار السياسي، عنوانها البحث عن أرضية مشتركة لمعالجة الانقسام المؤسسي، دون أن يعني ذلك حسم مسار التسوية أو ضمان نجاحه. ولذلك، فإن الحكم على المبادرة سيظل رهنًا بقدرتها على الانتقال من مرحلة المشاورات إلى خطوات عملية تحظى بقبول ليبي واسع، وتستند إلى توافق إقليمي ودولي يضمن استدامتها.
