شهداء المقاومة اللبنانية.. دماء على طريق الأقصى

تقرير – سيد العبيدي
على امتداد عقود الصراع العربي– الصهيوني، ظل جنوب لبنان ساحة تتقاطع فيها حسابات الحرب والسياسة، وتسقط على ترابه دماء رجالٍ حملوا قناعاتهم حتى النهاية. ومع اندلاع الحرب عقب معركة السابع من أكتوبر 2023، اتخذت المقاومة اللبنانية قرار فتح جبهة الإسناد لقطاع غزة، لتتحول الحدود الشمالية لفلسطين المحتلة إلى ميدان مواجهة مفتوح، امتزجت فيه الغارات الجوية بالقصف الصاروخي، والاغتيالات بالحرب الاستخباراتية، في معركة أكدت المقاومة أنها جزء من معركة الدفاع عن غزة والقضية الفلسطينية.
وخلال أشهر المواجهة، سقط عشرات القادة والمقاتلين في سلسلة اغتيالات وغارات وصفت بأنها الأوسع والأكثر تعقيدًا منذ تأسيس المقاومة اللبنانية، في محاولة لإضعاف بنيتها العسكرية وقيادتها الميدانية، إلا أن المواجهة لم تتوقف، واستمرت العمليات حتى دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لتفتح الحرب فصلًا جديدًا في تاريخ الصراع، وتعيد طرح الأسئلة حول حدود القوة العسكرية، وجدوى الاغتيالات، وقدرة المقاومة على إعادة بناء نفسها رغم الخسائر.
الثامن من أكتوبر محطة جديدة للمقاومة
ومنذ أعلنت المقاومة اللبنانية فتح جبهة الإسناد لقطاع غزة في 8 أكتوبر 2023، دخلت المواجهة مع الكيان الصهيوني مرحلة جديدة تجاوزت قواعد الاشتباك التي استقرت منذ حرب يوليو 2006، لتتحول إلى حرب متعددة المستويات شملت الضربات الجوية والعمليات الخاصة والحرب الإلكترونية والعمل الاستخباراتي المكثف. وفي قلب هذه المواجهة برزت سياسة الاغتيالات باعتبارها إحدى أبرز أدوات الكيان الصهيوني لاستهداف القيادات العسكرية والأمنية والسياسية للمقاومة، بهدف إضعاف منظومة القيادة والسيطرة وإرباك إدارة العمليات الميدانية.
واعتمدت تلك العمليات على منظومة استخباراتية متطورة جمعت بين الرصد الإلكتروني والطائرات المسيَّرة والأقمار الصناعية والمصادر البشرية، قبل تنفيذ غارات دقيقة استهدفت مواقع يُعتقد بوجود قيادات بارزة فيها. ويرى محللون أن هذا الاختراق الاستخباراتي جاء نتيجة سنوات من العمل المتراكم، وليس نتاج الحرب وحدها.
ومع اتساع نطاق المواجهة خلال عام 2024، تصاعدت حملة الاغتيالات بصورة غير مسبوقة، مستهدفة قيادات الصفين الأول والثاني داخل المقاومة اللبنانية، في أكبر حملة من نوعها منذ تأسيسها. ورغم أن الهدف كان إرباك منظومة القيادة وتقليص القدرة على إدارة العمليات، فإن المقاومة واصلت تنفيذ هجماتها حتى المراحل الأخيرة من الحرب، مستفيدة من هيكل تنظيمي حافظ على استمرارية القرار العسكري رغم الخسائر.
شهداء وحدة الرضوان
كان وسام الطويل، أحد أبرز قادة قوة الرضوان، من أوائل القادة الذين استهدفتهم الغارات الصهيونية، حيث استشهد في يناير 2024، بعدما لعب دورًا بارزًا في إدارة العمليات على الجبهة الجنوبية وتطوير قدرات القوة الخاصة للمقاومة.
وفي يونيو 2024، استشهد طالب عبد الله “أبو طالب”، أحد أبرز القادة العسكريين في جنوب لبنان والمسؤول عن إدارة قطاع واسع من العمليات الميدانية، وهو ما مثّل خسارة كبيرة نظرًا لخبرته الطويلة في المواجهة مع العدو.
ومع نهاية يوليو، نفذ الكيان الصهيوني واحدة من أبرز عملياته باغتيال فؤاد شكر، عضو مجلس الجهاد وأحد كبار القادة العسكريين، في غارة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، بعدما ارتبط اسمه بتطوير القدرات الصاروخية للمقاومة والتخطيط لعدد من العمليات العسكرية.
وفي سبتمبر 2024 توسعت حملة الاغتيالات لتشمل إبراهيم عقيل، أحد أبرز قادة قوة الرضوان، ثم إبراهيم قبيسي وعددًا من مسؤولي وحدات الصواريخ والطائرات المسيَّرة والقطاعات العسكرية، في محاولة لإضعاف مختلف أذرع المقاومة القتالية.
نصر الله وصفي الدين على طريق الشهادة
بلغت الحملة ذروتها في 27 سبتمبر 2024 بإعلان الكيان الصهيوني اغتيال الأمين العام للمقاومة اللبنانية السيد حسن نصر الله، إثر غارة استهدفت المقر المركزي للحزب في الضاحية الجنوبية لبيروت باستخدام قنابل خارقة للتحصينات، في أكبر ضربة تتعرض لها قيادة المقاومة منذ تأسيسها، لما يمثله نصر الله من ثقل سياسي وعسكري وشعبي داخل الحزب ومحور المقاومة.
ولم تمض سوى أيام حتى أعلن الكيان الصهيوني اغتيال هاشم صفي الدين، رئيس المجلس التنفيذي وأحد أبرز المرشحين لخلافة السيد حسن نصر الله، في غارة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، لتتسع دائرة الاستهداف إلى معظم قيادات الصف الأول داخل المقاومة اللبنانية.
كما طالت الغارات قادة ومسؤولي الوحدات المتخصصة، بينهم قيادات في وحدات الطائرات المسيَّرة، والدفاع الجوي، والاتصالات، والصواريخ الدقيقة، في محاولة لتقويض البنية العسكرية للمقاومة وإضعاف قدرتها على مواصلة العمليات. ورغم اتساع نطاق الاغتيالات، تمكنت المقاومة من احتواء جانب من آثارها عبر تفعيل منظومة القيادة البديلة وإعادة توزيع المسؤوليات، بما حافظ على استمرار العمليات العسكرية.
واستمرت الهجمات الصاروخية وعمليات الطائرات المسيَّرة ضد المواقع العسكرية والمستوطنات في شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة حتى الأيام الأخيرة التي سبقت دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 27 نوفمبر 2024، وهو ما اعتبره مراقبون دليلًا على أن الضربات، رغم قسوتها، لم تؤدِّ إلى انهيار الهيكل العسكري للمقاومة أو فقدانها القدرة على إدارة المعركة، لكنها فرضت تحديات تنظيمية وعسكرية غير مسبوقة.
الكيان يفشل في إنهاء قدرات المقاومة
مثلت حملة الاغتيالات أحد أبرز مظاهر التفوق الاستخباراتي والعسكري للكيان الصهيوني خلال الحرب، بعدما نجح في استهداف عدد كبير من القيادات العسكرية والأمنية، إلا أن نتائجها ظلت محل نقاش بين الخبراء، إذ لم تحقق الهدف المعلن المتمثل في إنهاء القدرات العسكرية للمقاومة أو فرض وقف كامل لعملياتها بالقوة.
فقد واصلت المقاومة تنفيذ عملياتها حتى دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، مستهدفة مواقع عسكرية ومنظومات رادار وقواعد قيادة وتجمعات للقوات الصهيونية، إلى جانب إطلاق الصواريخ والطائرات المسيَّرة، الأمر الذي أبقى الجبهة الشمالية مشتعلة وأجبر الكيان على الإبقاء على قوات كبيرة في تلك المنطقة، مع استمرار إجلاء عشرات الآلاف من سكان المستوطنات الحدودية.
إعادة بناء القيادة
فرضت الحرب على المقاومة اللبنانية تحديات كبيرة تتعلق بإعادة بناء القيادة وتعزيز الإجراءات الأمنية الداخلية، وسط توقعات بإجراء مراجعات شاملة لمنظومة الاتصالات وأساليب تحرك القيادات وآليات حماية المعلومات، للحد من فرص الاختراق الاستخباراتي.
وفي المقابل، ينظر الكيان الصهيوني إلى نتائج الحملة باعتبارها إنجازًا استخباراتيًّا وعسكريًّا بارزًا بعد تصفية عدد من أبرز القادة الذين أسهموا في بناء القدرات العسكرية للمقاومة خلال العقود الماضية، إلا أن استمرار العمليات حتى وقف إطلاق النار وعدم تحقيق حسم عسكري كامل أبقيا باب التساؤلات مفتوحًا حول حدود فاعلية سياسة الاغتيالات في حسم الصراعات الممتدة.
وأظهرت الحرب أن المواجهات الحديثة لم تعد تعتمد على التفوق العسكري التقليدي وحده، بل أصبحت الاستخبارات والحرب الإلكترونية والطائرات المسيَّرة والضربات الدقيقة عناصر حاسمة في إدارة الصراع، في مقابل أهمية المرونة التنظيمية وسرعة إعادة تشكيل القيادة والحفاظ على استمرارية القرار العسكري.
المقاومة تعيد رسم معادلات الردع
ويرى مراقبون أن المواجهة الأخيرة أعادت رسم معادلات الردع على الجبهة اللبنانية وفرضت واقعًا أمنيًّا جديدًا سيدفع الطرفين إلى إعادة تقييم استراتيجياتهما العسكرية والاستخباراتية. فمن المتوقع أن يواصل الكيان الصهيوني تطوير وسائل الرصد والاستهداف، بينما ستسعى المقاومة إلى تعزيز إجراءاتها الأمنية وإعادة بناء بنيتها القيادية والعسكرية.
وفي ظل استمرار التوتر على الحدود اللبنانية، تبقى احتمالات تجدد المواجهة قائمة، خصوصًا مع ارتباط الجبهة اللبنانية بالتطورات الإقليمية. وتشير نتائج الحرب إلى أن الاغتيالات، رغم تأثيرها الكبير، لم تكن كافية لحسم الصراع، إذ أثبتت المقاومة قدرتها على التكيف مع الخسائر ومواصلة القتال حتى وقف إطلاق النار، ما يجعل هذه المواجهة محطة مفصلية ستظل آثارها السياسية والعسكرية والأمنية حاضرة في المنطقة خلال السنوات المقبلة.
