مقالات الرأي

بين المال والسياسة كرة مفقودة

بقلم / عفاف الفرجاني



تمت دعوتي من قبل أصدقاء صحافيين مصريين لحضور مباراة المنتخب المصري أمام المنتخب الأسترالي ضمن تصفيات كأس العالم، أنا التي أجهل أبجديات اللعبة الكروية، تحمست بدافع عنصري عروبي صرف.

لا أريد أن أتكلم في هذا المقال عن الصرح العمراني العظيم وهو (العاصمة الإدارية الجديدة)، فهذا وحده إنجاز يستحق الاحترام والتقدير، لم تكن مجرد متابعة مباراة، كان الأمر أقرب إلى تجربة “استيراد” لروح المونديال نفسه، حيث تحوَّل المكان إلى مسرح بصري متكامل، شاشات عملاقة، تنظيم دقيق، وإخراج جماهيري جعل المشجع يشعر أنه في قلب الولايات المتحدة، لا في ضاحية حديثة من القاهرة.

انتهت المباراة بفوز المنتخب المصري وسط فرحة عروبية كبيرة وأداء منضبط، لكن القيمة الحقيقية لم تكن في النتيجة، بل في الفكرة: يمكن صناعة “أجواء عالمية” دون الحاجة إلى معجزات مالية، فقط عبر الرؤية والتنظيم والانضباط المؤسسي. كرة القدم هنا لم تعد ملعبًا فقط، بل صناعة تجربة كاملة.

وهنا يبدأ السؤال الذي يفرض نفسه دون مجاملة: ماذا عن بلدي المغتصبة ليبيا؟

بلد ينفق على منتخبه الوطني، ويستقدم مدربين من مدارس كروية مختلفة، ويعيد ترميم الملاعب ويطلق وعود تطوير متكررة، لكنه رغم ذلك يظل غائبًا عن كأس العالم، وكأنه يقف خارج الزمن الكروي الحديث.

المفارقة ليست في الفشل فقط، بل في تكرار نفس النموذج مع توقع نتائج مختلفة. هذا ليس سوء حظ، بل ما يشبه الإصرار على تجاهل قواعد اللعبة الحديثة: بناء طويل المدى، استقرار فني، وهوية كروية واضحة، ودوري محلي ينتج لاعبين بدل أن يستهلكهم.

في المقابل، دول أقل موارد وأكثر هشاشة اقتصاديًّا نجحت في الوصول إلى المونديال أو تثبيت حضورها فيه، ليس لأنها تملك مالًا أكثر، بل لأنها ببساطة تعاملت مع كرة القدم كـمشروع دولة، لا كـملف موسمي.

الأزمة الليبية في كرة القدم ليست فنية فقط. إنها أزمة فهم. فالدوري المحلي، بدل أن يكون مصنعًا للمواهب، يتحول إلى مساحة متقطعة الإيقاع، بلا منافسة مستمرة ولا معايير ثابتة. والمدربون، مهما كانت سيرهم الذاتية، يصبحون ضحايا بيئة لا تمنحهم الوقت ولا السلطة لبناء شيء حقيقي.

والأكثر حساسية من كل ذلك هو تداخل السياسة بالرياضة. فالمشهد الكروي الليبي، في كثير من تفاصيله، لا يبدو منفصلًا عن منطق البلد العام: صراع نفوذ، محاصصة، ووجوه تدخل الرياضة ليس لأنها تؤمن بها، بل لأنها ترى فيها منصة شعبية سريعة. الأندية في هذه الحالة لا تُدار كأندية، بل كامتدادات رمزية لمراكز قوة. واتحاد الكرة لا يبدو أحيانًا كهيئة فنية، بل كساحة توازنات.

بهذا المعنى، يصبح السؤال عن كأس العالم سؤالًا مضللًا. المشكلة ليست: لماذا لا تتأهل ليبيا؟ بل، هل تمتلك ليبيا أصلًا منظومة كرة قدم تعمل بمنطق كرة القدم؟

وفي النهاية، تبقى الحقيقة القاسية بسيطة: لا يمكن لبلد أن يستورد النجاح الرياضي عبر المال أو المدربين، بينما يعيد إنتاج نفس البنية الإدارية والفوضى المؤسسية. كرة القدم الحديثة لا تكافئ الإنفاق، بل تكافئ الفكرة.

وحتى يتحول الاستثمار إلى مشروع، سيبقى السؤال الليبي في كرة القدم معلقًا، ليس على باب المونديال فقط، بل على باب المنظومة نفسها.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى