وعى يصنع وطنًا

بقلم / محمد بوخروبة
ليست الدولة مجرد حدود مرسومة على الخرائط، ولا مؤسسات إدارية تتبادل الأدوار بين الحكومات، ولا قوانين تكتب في الدساتير ثم تحفظ في الأدراج، الدولة في جوهرها فكرة قبل أن تكون سلطة، ووعي قبل أن تكون جهازًا، وإرادة جمعية قبل أن تصبح نظامًا سياسيًّا. وعندما يلتقي الوعي بالمصير، تنشأ الأمم القادرة على تحويل اختلافاتها إلى قوة، وأزماتها إلى فرص، وتاريخها إلى مشروع للمستقبل.
إن الوعي الجمعي ليس شعارًا ثقافيًا يرفع في المناسبات، ولا خطابًا عاطفيًّا يلامس المشاعر لساعات ثم يتلاشى. إنه ذلك الإدراك العميق الذي يجعل المواطن يشعر بأن مصيره الشخصي لا ينفصل عن مصير وطنه، وأن أمنه مرتبط بأمن الجميع، وأن ازدهاره لا يتحقق في ظل انهيار الدولة، مهما بلغت مكاسبه الفردية أو الفئوية.
لقد أثبت التاريخ أن الدول التي نجحت في بناء نهضتها لم تعتمد فقط على وفرة الموارد أو التفوق العسكري، بل استندت إلى بناء وعي وطني جامع، فالاقتصاد يمكن أن ينهض بعد الحروب، والبنية التحتية يمكن إعادة إعمارها بعد الدمار، لكن انهيار الوعي الجمعي يظل الخطر الأكبر، لأنه يفتت المجتمع من الداخل، ويحول الوطن إلى ساحة تتصارع فيها الولاءات الضيقة على حساب الهوية الوطنية.
فليبيا ليست دولة فقيرة بالإمكانات، بل هي من أغنى الدول العربية والإفريقية من حيث الموارد الطبيعية والموقع الجغرافي والامتداد التاريخي، غير أن الثروة وحدها لا تصنع دولة، كما أن النفط لا يبني وطنًا إذا غاب الإنسان المؤمن بفكرة الوطن.
لقد مرت ليبيا خلال العقود الأخيرة بتحولات سياسية وأمنية عميقة، تركت آثارًا كبيرة على بنية المجتمع، وأعادت تشكيل كثير من أنماط التفكير والانتماء. وفي خضم هذه التحولات، برزت تحديات تتعلق بتراجع مفهوم الدولة لصالح انتماءات محلية أو قبلية أو جهوية أو سياسية، حتى أصبح السؤال عن الهوية الوطنية يفرض نفسه بإلحاح في كل محطة مفصلية.
وليس المقصود هنا التقليل من قيمة المكونات الاجتماعية الليبية، فالقبيلة مثلًا كانت ولا تزال أحد أعمدة البناء الاجتماعي، وأسهمت تاريخيًّا في حفظ التماسك داخل المجتمع. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الانتماءات الطبيعية إلى بديل عن الدولة، أو عندما يصبح الولاء للمصلحة الضيقة أقوى من الولاء للوطن الجامع.
فالوعي الجمعي لا يطلب من المواطن أن يتخلى عن جذوره، بل يدعوه إلى أن يجعل الوطن هو السقف الذي يجمع الجميع، بحيث تبقى كل الهويات الفرعية مصدرًا للإثراء لا سببًا للانقسام.
إن بناء الدولة يبدأ من المدرسة قبل البرلمان، ومن الأسرة قبل الحكومة، ومن الثقافة قبل السياسة. فالطفل الذي يتعلم احترام القانون، وقبول الاختلاف، والمحافظة على المال العام، ينشأ وهو يحمل في داخله مشروع مواطن صالح، لا مجرد فرد يبحث عن حقوقه ويتجاهل واجباته.
قد تستطيع الحكومات أن تنشئ الطرق والمطارات والمستشفيات خلال سنوات، لكنها لن تستطيع بناء دولة مستقرة إذا ظل المجتمع أسيرًا لخطابات الكراهية، أو ثقافة الإقصاء، أو عقلية الغلبة، أو منطق الثأر السياسي والاجتماعي.
إن الدولة الحديثة تقوم على فكرة الشراكة لا المغالبة، وعلى سيادة القانون لا سيادة الأشخاص، وعلى المؤسسات لا الولاءات الفردية. وكلما ازداد الوعي بهذه المبادئ، ازدادت قدرة المجتمع على حماية دولته من الانهيار، مهما اشتدت الأزمات.
وفي الحالة الليبية، فإن الحاجة اليوم ليست فقط إلى تسويات سياسية، بل إلى مشروع وطني لإعادة بناء الوعي، مشروع يعيد تعريف معنى الدولة في وجدان المواطن، ويجعل الانتماء الوطني قيمة يومية تمارس في السلوك، لا مجرد شعار يردد في المناسبات.
هذا المشروع يبدأ بخطاب إعلامي مسؤول، يبتعد عن التحريض والانقسام، ويتجه نحو تعزيز المشتركات الوطنية، كما يبدأ بمناهج تعليمية تغرس قيم المواطنة، وتعرف الأجيال بتاريخ ليبيا بكل مراحله، دون انتقائية أو إقصاء، لأن الشعوب التي تعرف تاريخها جيدًا تكون أكثر قدرة على صناعة مستقبلها.
كما أن النخب الثقافية والأكاديمية والدينية تتحمل مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة. فالكلمة قد تهدم كما قد تبني، والخطاب العام يمكن أن يزرع الثقة كما يمكن أن يغذي الشكوك والانقسامات. ولذلك فإن صناعة الوعي ليست مسؤولية الدولة وحدها، بل هي مسؤولية المجتمع بكل مؤسساته.
ولا يقل دور الشباب أهمية عن ذلك كله، فالشباب الليبي اليوم ليس مجرد متلقٍّ للأحداث، بل هو صانع محتمل للمستقبل. وإذا أتيحت له الفرصة للمشاركة، والتأهيل، والإبداع، فإنه قادر على تجاوز كثير من إرث الصراعات، وبناء نموذج جديد من المواطنة يقوم على الكفاءة والعمل والإنتاج، لا على الاصطفافات الضيقة.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه الأمم ليس اختلاف الآراء، وإنما اختلاف الرؤية إلى الوطن نفسه. فعندما يصبح الوطن مجرد وسيلة لتحقيق المصالح، يفقد معناه الأخلاقي والسياسي، أما عندما يتحول إلى قضية مشتركة، فإن الجميع يصبحون شركاء في حمايته، حتى وإن اختلفوا في الوسائل والرؤى.
وفي ليبيا، لا تزال الفرصة قائمة، رغم كل التحديات. فما يجمع الليبيين أكبر بكثير مما يفرقهم، يجمعهم تاريخ مشترك، وأرض واحدة، ودين واحد، وروابط اجتماعية وثقافية عميقة، وإمكانات اقتصادية هائلة، وطموح مشروع للعيش في دولة مستقرة وآمنة، وما يحتاجه هذا الرصيد هو إرادة واعية تحوله إلى مشروع وطني جامع.
إن الوعي بالمصير ليس خوفًا من المستقبل، بل مسؤولية تجاهه. وهو إدراك بأن الأوطان لا يرثها الأقوى، وإنما يحفظها الأكثر وعيًا. فحين يدرك كل مواطن أن استقرار ليبيا هو استقراره، وأن ازدهارها هو ازدهاره، وأن وحدتها هي الضمان الحقيقي لمستقبل أبنائها، يصبح بناء الدولة فعلًا يوميًّا يشارك فيه الجميع، لا مهمة تحتكرها السلطة وحدها.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل ليبي على نفسه، أي ليبيا نريد أن نتركها للأجيال القادمة؟ هل نريد وطنًا تحدده الانقسامات العابرة، أم دولة يصنعها الوعي، وتحميها المواطنة، ويقودها القانون؟
إن الإجابة لا تكتب في البيانات السياسية، بل تكتب في ضمير المجتمع. فحين يلتقي الوعي بالمصير، لا تولد دولة فحسب، بل يولد مستقبل جديد، تتقدم فيه ليبيا بوحدة أبنائها، ورسوخ مؤسساتها، وثقة شعبها بنفسه. وعندها فقط، يتحول الوطن من حلم مؤجل إلى حقيقة راسخة، ويصبح الوعي الجمعي أعظم ثروة تمتلكها الدولة، وأقوى حصن يحميها من رياح الانقسام وتقلبات الزمن.
