مقالات الرأي

عندما تفشل النخب ينهار الوطن



بقلم/ عبد الله ميلاد المقري

قد يكون البكاء، في بعض الأحيان، حالة وجدانية تعبِّر عن سقوط من كنا نعتقد فيهم نخبًا فكرية تتعاطى بموضوعية، وتمتلك القدرة على الفهم والاستيعاب لحالة الوطن. وهنا تذهب الإشارة إلى هذا العدد المأهول ممن انخرطوا فيما يسمى “الحوار المهيكل”، وهم شخصيات نالت قسطًا وافرًا من العلم والمعرفة والثقافة، وتخرَّجت في مؤسسات علمية وجامعات، وأدارت مؤسسات وطنية خلال عهد ثورة الفاتح العظيم. وفي سياق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، الممتد من مرحلة طارق متري إلى مرحلة هانا تيته، ظلّت محاولات معالجة الأزمة الليبية تدور في إطار مبادرات متكررة لم تبلغ غاياتها النهائية، رغم تعدد المقاربات وتبدل القيادات.

وعندما اختارت هذه النخب الانخراط في هذا “الحوار المهيكل” الذي أطلقته السيدة هانا تيته، معربةً عن أملها في أن يفرز هذا التجمع مشروعًا وطنيًّا، كان يُفترض أن تُثمر هذه القدرات نتائج في مدة وجيزة لا تتجاوز أيامًا، وربما ساعات. غير أن الإحباط كان أقرب إلى ما صاحب اجتماعات هذا الحوار، رغم تحديد مدته بستة أشهر، والأغرب أن نتائجه غير ملزمة.

وهنا، مع الأسف، بدا وكأن السيدة هانا تيته قد خلصت إلى أن العبثية السياسية مشروع خاص بليبيا، خاصة وأن من سبقها أو رافقها في البعثة الأممية لديهم فهم لطبيعة السلوك السياسي الليبي، ولحالة التنافس على السلطة. فقد أورد العديد من سفراء الولايات المتحدة، وكذلك رؤساء بعثة الدعم، حقيقة مفادها أن أغلب الأطراف الليبية التي شاركت في الحوارات كانت تنظر إليها من زاوية مصلحية، وأن هدفها الأول كان الحصول على نصيب من السلطة، لذا، فإن من ينكر هذه الحقيقة، عليه مراجعة التصريحات الدولية ذات الصلة، وما نُشر على لسان رؤساء بعثة الدعم الأممية منذ تأسيسها وحتى اليوم، حيث يتضح أن الحكم على مخرجات هذه الحوارات كان في كثير من الأحيان حكمًا كارثيًّا. ولا يمكن إغفال أن تقرير هذا الحوار كان بإمكانه أن يركز على معالجة موضوعية للحالة السياسية الراهنة، وأن يقدم رؤية قابلة للتنفيذ، بدلًا من هذا الطرح السطحي. بل إن من عارض هذه المخرجات كان أكثر وضوحًا في الإجابة عن التساؤلات المطروحة.

ويحضرني هنا أن القوى الوطنية الليبية قد اجتمعت في مدينة بنغازي خلال العام الماضي، في ثلاثة اجتماعات متتالية، درست خلالها مشاريع سياسية واقتصادية وهيكلية للخروج من حالة ما يسمى “الجمود السياسي”، وأقرتها، بما في ذلك الانطلاق نحو المؤتمر التأسيسي العام. كما اعتمدت، في جانب التشريع، تصور المرحوم الأستاذ إبراهيم أبو خزام فيما يتعلق بالمرجعية التشريعية. ومع الأسف، فإن بعض الشخصيات تنكَّرت لمواقفها السابقة، وتجاهلت أنها كانت جزءًا من مشروع ثورة الفاتح سياسيًّا ووظيفيًّا وفكريًّا وقياديًّا، ولم تستعرض ما كانت تؤمن به وتعمل في إطاره. وما زاد من الإحباط أن أحد الأعضاء بالغ في الترويج لمخرجات هذا التقرير، واعتبرها المنقذ لليبيا سياسيًّا واقتصاديًّا وتنظيميًّا، ومنح الفضل للمشاركين فيه، بينما اتهم المعترضين بأنهم “يحرثون في البحر”، مؤكدًا أن التقرير أُعدَّ بأيادٍ ليبية خالصة. غير أن الحقيقة تفرض نفسها؛ فحتى أحداث فبراير، التي ارتبطت بمشروع العدوان على الشعب الليبي، كان منفذوها ليبيين، ومنهم من يتقلد اليوم مواقع قيادية، بل ويفتخر بدوره في تقديم إحداثيات لطيران الناتو ودول أخرى، في مشهد جمع بين السخرية والألم في ذاكرة الليبيين. ومع كامل الاحترام لمن كان حريصًا على إنجاح هذا الحوار، فإن إعادة إنتاجه في صورة مصطلحات جوفاء وسيناريوهات مكررة، دون إلزام حقيقي بتنفيذ مخرجاته، يجعله أقرب إلى ملهاة سياسية وإضاعة للوقت. ويبقى التقدير لمن امتلك فهمًا فكريًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا عميقًا للحالة الليبية، في وقت يعبث فيه البعض بمصير الوطن، وكأنهم يدفنونه بأيديهم.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى