مقالات الرأي

معاناة مرضى الأورام بين ضعف الرقابة، والطمع، والتلوث الإشعاعي


بقلم / د _ محمد جبريل

انتشرت بليبيا الإصابات السرطانية، والتشوُّهات الجنينية، والعقم، وضعف المناعة، فكانت الإصابات 50 حالة عام 1999، ارتفعت عام 2024 إلى 44,000.

السبب الأول، توريد المواد المسرطنة نتيجة الفساد وضعف منظومة الرقابة على السلع المستوردة، كالأغذية والأدوية، والأسمدة، والمبيدات.

السبب الثاني استخدام الناتو لليورانيوم المنضَّب، الذي تنتقل إشعاعاته بالهواء، والتربة، والمياه، والغذاء، مثلما حدث في العراق ويوغسلافيا.

وللأسف؛ هناك من لا يريد إثارة الموضوع؛ لكيلا يُحرج الدول التي أجرمت بحق الليبيين، ولوَّثت أرضهم ومياههم وأجواءهم. وهناك من يزعم أن منطقته بمأمنٍ، فضربات الناتو لم تصلها، جاهلًا بأن المواد المشعَّة تنتقل عبر المواد الغذائية والمعدات والآلات الملوَّثة، أو الهواء، أو المرور بالمناطق الملوَّثة.

الإدارة الليبية مقصرة في أداء واجبها بحماية المواطنين، ومنع انتشار المواد المسرطنة، والوقاية منها، كما أن الأمم المتحدة متهمة أيضًا، فقد سُلِّمت تقارير فنية إلى رئاسة بعثة الدعم (آسف بعثة الحكم)، لكنا لم نسمع في الإحاطات المتكررة أيَّ ذِكرٍ لهذه الجريمة المستمرة، أو أيَّ مطالبةٍ باتخاذ إجراءات لوقفها، كالمساعدة في رسم خرائط للمواقع الملوَّثة، ودفن الملوَّثات بطرق علمية تمنع انتشار الإشعاعات إلى البيئة المحيطة، من تربةٍ ومياهٍ وهواء، ومساءلة المتسبِّبين فيها، وجبر أضرار الضحايا، الليبيون الآن كالأيتام؛ فلا يوجد من يدافع عن حقهم في العيش داخل بيئة نظيفة وآمنة.

قبل 2011 لم تكن ليبيا تستورد الأدوية إلا من شركات معتمدة أوروبية وأمريكية، أمَّا اليوم فقد أصبح الفاسدون يستوردون الأدوية المغشوشة، والمواد المحظورة، ويخرِّبون المؤسسات الصحية المحلية، ليتركوا الليبيين يعانون مرض السرطان الذي ينخر أجسادهم ويلتهم ممتلكاتهم. ويُترك من يعجز عن توفير تكاليف العلاج ليتجرَّع الألم حتى الموت.

إن الدولة التي تترك أبناءها فريسةً للمرض، والتلوث، والفساد، تصبح دولة مهدَّدة بالزوال. فالدول التي تحترم مواطنيها تراقب غذاءهم ودواءهم بدقة؛ فعلى سبيل المثال، منع الاتحاد الأوروبي استيراد اللحوم البرازيلية بسبب احتوائها على مواد تتسبب بأضرار صحية.

إن معالجة هذه الكارثة تتطلَّب تقوية أجهزة الرقابة على الأغذية والأدوية، والجمارك والشرطة الزراعية والحرس البلدي، وتطهيرها من الفاسدين، وتشديد العقوبات على المهرِّبين والمتورِّطين في الفساد، ودعم المراكز المتخصصة بالأجهزة والأدوية والكفاءات، وإطلاق حملات للتوعية والفحص المبكر، إضافةً إلى فتح تحقيق علمي محلي ودولي شفاف حول مصادر التلوث، وإجراء مسح بيئي شامل للمناطق الملوَّثة، ومطالبة الدول المتسببة فيه بالمساهمة في المعالجة وتعويض الضحايا.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى