حين تتحول الكرة إلى صناعة للثروة

بقلم / عثمان الدعيكي
لم تعد نتائج كأس العالم تُقاس بعدد الأهداف والانتصارات فحسب، بل أصبحت تُقاس أيضًا بحجم العوائد الاقتصادية التي تحققها المنتخبات والدول المشاركة، فكل انتصار داخل المستطيل الأخضر يفتح أبوابًا واسعة للاستثمار والسياحة والرعاية والتسويق، ويمنح الدولة حضورًا عالميًّا يصعب تحقيقه عبر حملات إعلامية تكلف مليارات الدولارات. ومن هذا المنطلق، فإن الظهور المشرف الذي حققه المنتخبان المغربي والمصري في المونديال الحالي، بتأهل المغرب إلى ربع النهائي وبلوغ مصر دور الـ 16 في انتظار المواجهة القادمة مع المنتخب الأرجنتيني، لا ينبغي النظر إليه باعتباره إنجازًا رياضيًّا فحسب، بل بوصفه فرصة اقتصادية وتنموية تستحق الدراسة والاستثمار.
لقد تحول كأس العالم خلال العقود الأخيرة إلى واحدة من أكبر الصناعات الرياضية في العالم، وأصبح اقتصادًا متكاملًا تتشابك فيه مصالح الحكومات والشركات والمؤسسات الاستثمارية. ووفقًا للتقرير المالي للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، بلغت إيرادات كأس العالم قطر 2022 نحو 7.57 مليار دولار، وهو أعلى دخل في تاريخ الاتحاد، جاءت النسبة الأكبر منه من حقوق البث التلفزيوني والرعاية والتسويق والضيافة. ومع التوسع التاريخي لبطولة 2026 إلى 48 منتخبًا، ارتفع إجمالي الجوائز المالية إلى نحو 896 مليون دولار، مقارنة بـ 440 مليون دولار في مونديال قطر، بما يعكس النمو المتسارع للاقتصاد المرتبط بكرة القدم.
ولا تقتصر هذه المكاسب على الدولة المستضيفة، بل تمتد إلى جميع المنتخبات المشاركة. فقد حصل بطل مونديال قطر على 42 مليون دولار، والوصيف على 30 مليون دولار، بينما نال كل منتخب شارك في دور المجموعات ما لا يقل عن 9 ملايين دولار. وتمثل هذه الجوائز مصدرًا مهمًّا لتمويل برامج تطوير الفئات السنية، وتأهيل المدربين، وتحسين البنية التحتية الرياضية، غير أن خبراء الاقتصاد الرياضي يجمعون على أن الجوائز المباشرة لا تمثل سوى جزء محدود من العائد الحقيقي، إذ إن المكاسب غير المباشرة غالبًا ما تكون أكبر وأطول أثرًا.
فكل مشاركة ناجحة تعزز الصورة الذهنية للدولة، وتضعها في واجهة الاهتمام العالمي أمام مليارات المشاهدين، الأمر الذي ينعكس إيجابًا على السياحة، وجذب الاستثمارات، والترويج للمنتجات الوطنية. وتشير بيانات الفيفا إلى أن مونديال قطر 2022 حقق أكثر من خمسة مليارات مشاهدة وتفاعل عبر مختلف المنصات، فيما تابع المباراة النهائية وحدها أكثر من 1.5 مليار مشاهد. كما يؤدي الأداء المتميز إلى رفع القيمة السوقية للاعبين، وزيادة عقود الرعاية، وتعزيز فرص انتقالهم إلى كبرى الدوريات العالمية، بما يخلق تدفقات مالية جديدة للأندية والاتحادات الوطنية.
ولعل التجربة المغربية في مونديال قطر 2022 تقدم أفضل مثال على ذلك. فقد تجاوز الإنجاز حدود الوصول إلى نصف النهائي كأول منتخب عربي وأفريقي يحقق هذا الإنجاز، ليصبح بوابة لتعزيز صورة المغرب عالميًّا، وتنشيط القطاع السياحي، وارتفاع القيمة السوقية لعدد من لاعبيه، وتسليط الضوء على منظومة تكوين المواهب، وفي مقدمتها مركب محمد السادس لكرة القدم، الذي تحول إلى نموذج يحتذى به في الاستثمار الرياضي.
وتملك الدول العربية والأفريقية، مثل مصر والمغرب والسنغال وغانا وساحل العاج والرأس الأخضر وجنوب أفريقيا، فرصًا حقيقية لتعظيم العائد الاقتصادي من مشاركاتها في كأس العالم. فكل إنجاز رياضي يفتح المجال أمام عقود رعاية أكبر، ويعزز حضور الشركات الوطنية في الأسواق العالمية، ويروج للوجهات السياحية، ويكرس صورة الدولة باعتبارها بيئة قادرة على إنتاج الكفاءات الرياضية. كما تؤكد دراسات صادرة عن “مجموعة ديلويت للأعمال الرياضية” أن كرة القدم أصبحت إحدى أبرز أدوات القوة الناعمة، وأن الاستثمار فيها يسهم في رفع تنافسية الدول وجذب الاستثمارات الأجنبية.
غير أن هذه المكاسب لا تتحقق بمجرد التأهل، وإنما تتطلب مشروعًا وطنيًّا متكاملًا لبناء منتخب قادر على المنافسة بصورة مستدامة. فالنجاحات التي تحققها منتخبات فرنسا وإسبانيا وإنجلترا لم تكن وليدة الصدفة، وإنما جاءت ثمرة استثمارات طويلة الأجل في اكتشاف المواهب، وإنشاء الأكاديميات، وتطوير المسابقات المحلية، وتأهيل المدربين، وتحديث البنية التحتية، وترسيخ مبادئ الحوكمة والشفافية في إدارة المؤسسات الرياضية.
وفي المقابل، لا تزال العديد من الدول العربية والأفريقية تنفق مبالغ كبيرة على المنتخبات الأولى، بينما تهمل الاستثمار في قواعد اللعبة، فتتحول المشاركة في كأس العالم إلى إنجاز موسمي لا يلبث أن يتلاشى. ومن هنا، فإن تعظيم العائد الاقتصادي يبدأ بالنظر إلى كرة القدم باعتبارها صناعة متكاملة، تتشارك فيها الدولة والقطاع الخاص، وتتحول فيها الأكاديميات إلى مصانع للمواهب، والأندية إلى مؤسسات اقتصادية منتجة، والمنتخب الوطني إلى سفير اقتصادي يعكس صورة الوطن ويعزز حضوره على الساحة الدولية.
واليوم، ومع اتساع كأس العالم إلى 48 منتخبًا وارتفاع عدد المنتخبات العربية والأفريقية المشاركة، تبدو الفرصة أكبر من أي وقت مضى. غير أن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف نتأهل إلى كأس العالم؟ بل أصبح: كيف نحول هذا التأهل إلى قيمة اقتصادية مستدامة؟ فالدول التي تنظر إلى كرة القدم بوصفها صناعة واستثمارًا ستجني ثمارها لعقود، أما التي تكتفي بالاحتفال بنتيجة مباراة، فستنتهي أفراحها مع صافرة النهاية. وبين هذين الخيارين يتحدد مستقبل كرة القدم في عالمنا العربي والأفريقي، ليس رياضيًّا فحسب، بل اقتصاديًّا وتنمويًّا أيضًا.
