مقالات الرأي

كلام في التوافق.. وتقاسم المغانم!



بقلم / د_ مصطفى الزائدي

القاعدة في الحراك السياسي في ليبيا لمحاولة بناء سلطة موحدة تنهي حالة الانقسام المصطنع، أن الغرب لن يسمح بتشكيل سلطة تتمتع بشرعية شعبية وطنية، وسيعمل بكل الوسائل على إبقاء ليبيا تحت الوصاية حتى يتمكن من تكوين السلطات التنفيذية والتشريعية بمعرفته، ومن خلال آليات يضعها لتخدم مصالحه وتحقق أهداف تدخله العسكري عام 2011، انطلاقًا من هذه القاعدة الأساسية ينبغي التعامل مع المعطيات الراهنة والأفكار المطروحة بكل أنواعها.

التطور المهم الذي حدث خلال العقد الماضي هو النجاح في إعادة بناء القوات المسلحة العربية على أسس حرفية مهنية وبعقيدة وطنية، وهو ما مكن الليبيين من إسقاط عديد من المشروعات المشبوهة التي استهدفت الوطن ووحدته واقتصاده، فتكون أمر واقع على الأرض في جزء كبير من الوطن، حيث بسطت القوات المسلحة سيطرتها على قرابة 75% من التراب الليبي، وانتشرت على كامل الحدود الجنوبية والشرقية والجزء الأكبر من الحدود الشمالية، وهذا منح قيادة القوات المسلحة الفرصة العملية للتفاعل مع الأزمة والعمل على إعادة سيطرة مؤسسات الدولة الشرعية.

لقد احتضنت القوات المسلحة مجلس النواب المنتخب، ووفرت له الحماية، ومكنته من العمل بكل حرية، ما اضطر الغرب إلى التعامل معه باعتباره شرعية قائمة -رغم عدم اعترافه الرسمي به وبالحكومات التي شكلها- فتمكن المجلس من إفشال كثير من الترتيبات التي حاولت الدول المتدخلة في ليبيا تمريرها وفرضها، واستمر في طرح مقترحات عملية لإجراء الانتخابات التشريعية والرئاسية في إطار منظومة حكم وطنية مؤقتة، وبعيدًا عن سياسات الإملاء والإقصاء التي تمكن الغرب من تمريرها بعد 2011.

الغرب الذي يجيد ألاعيب المراوغة واستثمار الوقت وتقديم الوعود المزيفة تمكن من خلال بعثة الأمم المتحدة من تنفيذ خطط إدارة الأزمة وتدوير الشخوص التي أفرزها وفرضها، بشرعية دولية لتفادي الحصول على مشروعية وطنية.

اليوم الحديث عن مبادرة غربية جديدة تتبناها إدارة ترامب بأفكار مختلفة بعض الشيء، موضوعها الأساس تشكيل سلطة توافقية بين القوة الحقيقية الفاعلة على الأرض المسيطرة على الشرق والجنوب، والقوى المسيطرة على المنطقة الغربية، في محاولة للخروج من عنق الزجاجة تمهيدًا لإجراء انتخابات شاملة لبناء سلط وطنية تعيد بناء الدولة على أسس جديدة، وتطوي خمسة عشر عامًا من الفوضى والفساد والعبث الأجنبي والانهيار المريع لكل سبل الحياة الكريمة، وفي إطارها يتم توحيد المؤسسات السياسية والاقتصادية والعسكرية والأمنية، ورغم ثقة كثير من الليبيين في المشروع الوطني للقيادة العامة للقوات المسلحة وحرصها على حرية ليبيا وسيادتها، فإن الطرف الآخر المطروح للمشاركة تحوم حوله عديد من التساؤلات، بكونه لا يمثل واقعيًّا القوة المسيطرة على الأرض في الغرب الليبي، وثانيًا لما يلاحقه من اتهامات بالفساد والإفساد والتفريط في السيادة ومحاولات التطبيع مع الكيان، ورغم ذلك قد تكون الخطة المطروحة فرصة وحيدة متاحة لإعادة بناء الدولة والتمهيد الفعلي لعملية انتخابية في أقرب الآجال.

ومن هنا فإن القبول بالمبادرة الأمريكية من عدمه ينبغي أن يستند إلى عدة عوامل، أولًا: الضمانات القوية لإجراء الانتخابات الرئاسية والتشريعية في غضون فترة زمنية لا تزيد على السنة والنصف. وثانيًا: ضمان محاربة الفساد وتسخير الموارد الليبية لمصلحة الشعب الليبي. وثالثًا: الجهود الجدية للتخلص من القوة العسكرية الأجنبية المنتشرة في التراب الليبي ومن المرتزقة الذين يشكلون عصب المجموعات المسلحة في ليبيا. ورابعًا: ألا تكون الوسيلة لتقاسم المناصب والمغانم بين الأطراف المشاركة في المشروع، بل أن تعمل على تشكيل حكومة من التكنوقراط المؤهلين المشهود لهم بالكفاءة والوطنية، وأن تكون سلطة لخدمة كل الليبيين بمختلف توجهاتهم السياسية والفكرية وانتماءاتهم الاجتماعية والقبلية، وأن تعمل على معالجة الأزمة الأمنية والاقتصادية.

رفض المشروع بدون أسباب يعني فقط بقاء الحال على ما هو عليه، وفي الواقع أي استمرار الفوضى والفساد والعبث الأجنبي، ومزيدًا من التأثير السلبي على حياة المواطنين الذين يعانون الأمرين في سبيل الحصول على لقمة عيشهم اليومي.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى