حينَ نفتقدُ الإصغاء

بقلم/ سعاد علي الجروشي
حينَ نفتقدُ الإصغاء، لا يَخفتُ صوتُ الآخر فحسب، بل تخبو فينا القدرة على أن نكون بشرًا.. فالإصغاء ليس فعلَ أُذن، بل يقظةُ قلبٍ، وانحيازٌ صامتٌ للإنسان في ضعفه قبل قوّته.
في هذا العالم المتخم بالكلام، صار الصوت أعلى من المعنى، والكلمات أسرع من الفهم. نتحدث كثيرًا، ونُصغي قليلًا، وكأننا نخشى أن يسرقنا وجعُ الآخر من ذواتنا. نسمع لا لنفهم، بل لنُجيب، فنفوِّت جوهر الحكاية ونتمسك بقشورها.
الإصغاءُ الحقيقي احتواءٌ نادر.. أن تمنح الآخر مساحةً آمنة ليكون كما هو: دون مقاطعة.. دون تقليل.. دون نصائح جاهزة. أن تُنصت حتى للصمت، لأن بعض الآلام لا تجد طريقها إلى اللغة. وحين نفتقد هذا الإصغاء، تتكدّس الخيبات، ويكبر الشعور بالوحدة حتى في أكثر الأماكن ازدحامًا.. كم من قلبٍ انكسر لأنه لم يجد أذنًا رحيمة، وكم من علاقةٍ ذبلت لأن أحد طرفيها كان حاضرًا بالجسد، غائبًا بالروح. فالإصغاء ليس رفاهية اجتماعية، بل ضرورة إنسانية، وجسرٌ خفيٌّ تعبر عليه المشاعر بسلام.
نفتقد الإصغاء حين نستعجل الأحكام، وحين نظن أن تجاربنا تصلح ميزانًا لتجارب الآخرين. ننسى أن لكل إنسان ألمه الخاص، ووتيرته في البوح، وأن الفهم لا يولد من التشابه، بل من التعاطف. ربما لا يحتاج العالم إلى مزيد من الأصوات، بل إلى قلوب تُنصت بصدق. فحين نُحسن الإصغاء، نُرمم ما تهدَّم في الداخل، ونمنح الكلام كرامته، والإنسان حقه في أن يُفهَم. وحين نفتقد الإصغاء.. نفتقد المعنى.
