مقالات الرأي

استنهاض ليبيا بالاستثمار في القوى الناعمةالجزء الرابع


بقلم/ محمد عبدالقادر

الإعلام بين تشكيل الوعي والصورة الذهنية السائدة

إذا كانت القوة الصلبة تُغير الواقع على الأرض بقوة السلاح، فإن القوة الناعمة هي التي تُعيد صياغة العقول وترميم النفوس. وفي المشهد الليبي الراهن، تحول الإعلام الوطني إلى ضرورة وجودية، فهو ليس ترفًا تنمويًّا، بل المادة الأساسية لإعادة بناء “الجامع المشترك” واستنهاض الوعي الجمعي لقيادة قاطرة التعافي.

التحدي الحقيقي يكمن في توظيف الإعلام لبعث حالة انـتماء وطني يلتقي حول الوطن، ويرى في الاختلاف روافد ثرية تصب في مجرى النهر الواحد، بشرط عدم الاندماج في مشاريع الأعداء.

ومن هنا، وجب نقل الإعلام من خانة “إعلام الأزمة” الذي يقتات على الخلافات ويكرس الإحباط والارتهان للخارج بتوظيف الترسانات الإعلامية الموجهة تارة أخرى لخلخلة استقرارها وتوجيه بوصلتها.

ولم تكن الأبعاد الديمغرافية والجغرافيا البشرية لليبيا بمنأى عن هذا التوظيف؛ إذ عمدت الخطابات الإعلامية الخبيثة والمأجورة إلى اللعب على وتر التنوع السكاني والامتداد الاجتماعي، محاولةً اختطاف “القبيلة” من سياقها الأخلاقي والتكافلي الجامع لتحويلها إلى غطاء سياسي وعسكري يغذي الانقسام، واصطناع “شيطنة متبادلة” بين المدن والمناطق لترسيخ جهوية صفرية تمزق النسيج الواحد، وصنع كيانات عرقية واستعداؤها على المحيط واستعداء المحيط عليها.

وسط هذا الركام، وهذا التشويه الممنهج للصورة الذهنية السائدة، لا يقف الإعلام الوطني كأداة ترفيهية أو ناقل محايد للأخبار، بل يبرز كـ «قوة ناعمة وجودية، وطوق نجاة أخير» لإعادة هندسة الوعي الجمعي. إن الاستثمار في إعلام وطني مستنير هو المشرط الجراحي الكفيل بتفكيك الألغام الجهوية، وإعادة صهر الديمغرافيا الليبية المتداخلة بالتصاهر والدم في بوتقة الهوية الجامعة، محولًا جغرافيتنا من “خاصرة رخوة” للصراعات إلى حصن منيع للسيادة والاستقرار، وإلى عالم “إعلام البناء” الذي يُبرز “الممكن الليبي”، ويسلط الضوء على قصص النجاح والمبادرات الشبابية، وينسج سردية وطنية جامعة توجه بوصلة الرأي العام نحو المستقبل والتنمية كطوق نجاة وحيد.

ولكن، كيف يرمم الإعلام “الجامع المشترك”؟

البداية تكون بالتوقف فورًا عن تقسيم الوطن، وهو ما يفرض ميثاق شرف إعلامي يطهر الفضاء من سموم التحريض والشيطنة المتبادلة.

إن نظرة واقعية للجغرافيا البشرية الليبية تُظهر أن الشعب يرفض التقسيم بالفطرة؛ وخير مثال حي هو فاجعة انهيار سدود درنة، حيث غابت الحالة الرسمية غيابًا مؤلمًا، وحضر الشعب حضورًا عفويًّا تلاحمت فيه جغرافيا الوطن (شرقًا وغربًا وجنوبًا) في تيار بشري أثبت الشراكة المطلقة في المعاناة والأمل، وهدم “الجدران النفسية”.

دور الإعلام الناعم هو تخليد هذا التلاحم عبر وثائقيات وتقارير تُؤنسن المحيط الجغرافي، وتُحيي الذاكرة التاريخية والثقافية المشتركة، كالتاريخ الجهادي ضد الاستعمار والفنون والآداب، للتأكيد على أن ما يجمعنا أعمق بكثير من عوارض السياسة.

إن معركة النهوض واسترداد الكيان هي معركة وعي وتدافع جيوسياسي وديمغرافي بامتياز.

 لقد جعلت الجغرافيا السياسية ليبيا في قلب خطوط الصدع الاستراتيجية وبوابة لأفريقيا ومشرفًا على المتوسط، ما حوّلها لساحة مطامع دولية وظفت ترسانات إعلامية معادية لتنفيذ حرب نفسية تستهدف الهوية وتمزيق النسيج الاجتماعي عبر إشعال الفتن القبلية والنعرات الجهوية، تمامًا كما فعل المحتل الإيطالي تاريخيًّا عندما استغل تقرير المخابرات (أوغستيني) لتفكيك اللحمة الوطنية الخالدة في معارك القرضابية وسواني بن يادم، وضرب الزعامات ببعضها بعد أن كانوا يقاتلون جنبًا إلى جنب.

إننا ندعو اليوم إلى صناعة إعلام وطني واعٍ برسالته، يمتلك أدواته ليمارس نقدًا ذاتيًّا بمهنية عالية، ويحول عناصر التفتيت إلى عوامل بناء ووحدة.

إن الاستثمار في هذا الإعلام المستنير هو المشرط الجراحي الكفيل بتفكيك الألغام، وإعادة صهر الديمغرافيا الليبية المتداخلة بالدم والتصاهر في بوتقة الهوية الجامعة، ليتحول وطننا من خاصرة رخوة للصراعات إلى حصن منيع للسيادة والاستقرار.

زر الذهاب إلى الأعلى