تشخيص الأزمة والبحث عن الخلاص

بقلم / المهدي الفهري
تبني السياق الأدبي أو الإسقاط الأدبي على القضايا المطروحة التي يتم تناولها بين الحين والآخر كقرائن لتحديد المعنى الدقيق للنص وإزالة الغموض والالتباس ما هو إلا محاولة لتقديمها بأسلوب مختلف يجمع بين تشخيص الأزمة والبحث في أسبابها من منظور ثقافي وتأملات في الواقع والذات ونمط من النقد الخفي في وقت يتقدم فيه الفكر ويتراجع الإنسان ويشتد فيه الجدل بين الأمل والألم وبين الانطلاق والانتكاس وبمفهوم حضاري يؤكد أن الجهر بالكلمة الحرة والصادقة جهر بالحقيقة وبما يجعلها أكثر جاذبية وقبولًا لدى القارئ وربما أسرع في فهم ماهيتها وحقيقتها، لا سيما في هذا العصر الذي سيطر فيه الإعلام المضلل وتنافست فيه أمراضنا مع أمراض الوطن، وتوازت فيه المنحنيات النفسية مع العضوية التي تحسسنا في كل مرة بأنه كلما أحرزنا خطوة نحو الأمام في رحلة عودة الوعي صاحب ذلك خطوات شد للخلف، وهذا من طبيعة الأشياء والمتغيرات التي يجب ألا تحبطنا، وإن حلقت بنا أحيانًا في الآفاق البعيدة إلى درجة الثمالة والغرور، وأوهمتنا بأننا نستطيع أن نعمل كل شيء ثم ما تلبث أن تنتكس وتعود بنا إلى سابق عهدها ومربعها الأول لتذكرنا بأن الحياة لها أساليبها وأبعادها المادية والمعنوية التي نعجز أحيانًا عن فهمها وضبط إيقاعها الداخلي، وبقدر ما ننجح في بناء حياة متوازنة خالية من القلق واليأس والجشع بقدر ما نُسهم في تحقيق الاستقرار ونشر ثقافة التضامن والتعاضد فيما بيننا ونبذ الأنانية والعصبية والفرقة وصولًا إلى مجتمع خالٍ من الفتن والأمراض الاجتماعية.
ورغم محاولاتنا المستمرة لمقارنة حاضرنا بماضينا والسعي لتحقيق إنجازات في مسيرتنا وفتح صفحات جديدة في حياتنا، بل والاستفادة من أخطائنا وأخطاء الآخرين، فإن الوصول إلى حالة من الرضا التام يظل أمرًا عسيرًا، خاصة حين يتعلق الأمر بوجع الوطن ومعاناته، فالوطن ليس مجرد قطعة من الأرض وحيزًا من الجغرافيا، بل هو جزء أصيل من كياننا وأصالتنا، إذا أصابه ألم تداعت له بقية الأجزاء بالتفكر والرجاء والدعاء والاستغاثة والعطاء، ومن هنا فإن جوهر خطابنا ورسالتنا منذ البداية يتمحور حول الوطن والمواطن وهمومهما المشتركة، وحرمة الأوطان كحرمة الإنسان لا يكتمل أحدهما إلا بالآخر.
ومع أن السمات السائدة في المجتمعات هي النأي بالنفس وعدم المبالاة وتبدل المواقف بتبدل موازين القوة، لكن ذلك كله لا ينبغي أن يثنينا عن القيام بواجباتنا، ولا يزيدنا إلا إصرارًا على مضاعفة الجهود المبذولة لتحفيز الإنتاج الفكري وإثراء المشهد الثقافي، باعتبار الثقافة رافدًا مهمًّا لخدمة الحس الوطني والتنمية الوطنية والبحث عن كل ما يرفع من مستوى الوعي ويزيد من رصيد الأداء الفاعل ثقافيًّا واجتماعيًّا للوصول إلى مرحلة النضج الثقافي والاجتماعي الذي يصون الذاكرة الإنسانية للأمة ويحافظ على مكتسباتها ومناعتها.
