إعلامنا إلى أين؟

بقلم / د. عبدالكريم الزياني
في الحالة الليبية، يبدو الحديث عن “الإعلام شريك في التنمية” أقرب إلى شعار جميل أكثر منه توصيفًا لواقع قائم. فالإعلام، الذي يفترض أن يكون أداة لشرح السياسات العامة وتبسيط مسارات البناء وتوسيع وعي المواطن، تحوّل -في كثير من مساحاته- إلى جزء من أزمة التنمية نفسها، بل وإلى عامل يعمّق التشوّش بدل أن يحدّ منه.
المفارقة الأساسية أن ليبيا لا تعاني من غياب الإعلام، بل من فائض إعلامي بلا بوصلة. قنوات ومنصات تتكاثر، لكن دون مشروع مهني جامع، ودون التزام واضح بوظيفة الإعلام كخدمة عامة. في هذا الفضاء المفتوح على الفوضى، تتراجع الحقيقة أمام الانطباع، ويتقدم الخطاب الانفعالي على التحليل، وتُستبدل المعلومة بالاصطفاف. الأخطر أن جزءًا كبيرًا من الإعلام الليبي لم يعد يكتفي بنقل الواقع أو حتى تفسيره، بل صار يعيد إنتاجه بشكل مشوّه. فبدلًا من مساءلة سياسات التنمية بوعي نقدي، يتحول الخطاب الإعلامي -في أحيان كثيرة- إلى أداة لتصفية الحسابات السياسية، أو منصة لتكريس الانقسام، أو منبر لتضخيم الفشل دون أي محاولة لفهم أسبابه البنيوية.
في هذا السياق، تصبح التنمية نفسها ضحية خطاب إعلامي مضطرب: مشاريع تُعرض بلا سياق، إنجازات تُسفه بلا تحليل، وأزمات تُستهلك إعلاميًّا حتى تفقد معناها. وهكذا يفقد المواطن القدرة على التمييز بين النقد المهني والدعاية، وبين المعلومة والتحريض، وبين التحليل والتضليل.
المعضلة لا تتعلق فقط بغياب القوانين أو ضعف المؤسسات، بل بغياب الثقافة المهنية داخل جزء واسع من الحقل الإعلامي. فالإعلامي -في كثير من الحالات- يُختزل دوره في “الموقف” لا في “المعرفة”، وفي الانحياز لا في التحقق، وفي سرعة النشر لا في دقته. وهذا التحول أفقد الإعلام أهم رأسماله: المصداقية. ومع ذلك، لا يمكن إنكار وجود محاولات فردية ومؤسساتية تسعى إلى استعادة الحد الأدنى من المهنية، لكن تأثيرها يظل محدودًا أمام ضجيج خطاب أعلى صوتًا وأقل التزامًا.
إن أخطر ما يواجه التنمية في ليبيا اليوم ليس فقط ضعف التخطيط أو هشاشة التنفيذ، بل وجود إعلام لا يوازي بين الحرية والمسؤولية. فالإعلام الحر دون مسؤولية يتحول إلى فوضى، والفوضى لا تنتج تنمية، بل تعيد إنتاج الأزمة. لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: كيف ندعم الإعلام؟ بل: كيف نعيد تعريف الإعلام نفسه بحيث لا يكون جزءًا من الهدم، بل بداية ممكنة لإعادة البناء؟
