اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 15

بقلم / مهدي امبيرش
كثيرًا ما نبهنا إلى أن الإنسان منذ آدم وزوجه إلى الآن يعيش نفس الأزمة، حتى وإن بدت مختلفةً، فذلك الاختلاف اختلافٌ شكلي، ولكنَّ منهج التفكير بقيَ يعاني نفس الأزمة، حتى أننا يمكن أن نكرر ما سبق أن ذكرناه: (كل الفكر فكر معاصر).
فعلى الرغم من هذا التطور التقاني على مستوى استخدام القوانين الفيزيائية تفكيكًا أو تركيبًا، فلا يبدو أن هناك تقدمًا على مستوى منهج التفكير، حتى الشرائع الإلهية تَمَّ فهمها وتحريفها والانحراف بها بناءً على هذا الفهم المعوج منذ آدم عليه السلام، وأول جريمة هي جريمة قتلٍ تمت على الأرض، نذكر الآن ببعض المحطات المعرفية عندما تناولنا قصة خلق الإنسان أولًا والأطوار التي مر بها هذا الخلق بدءًا من الخلقِ من تراب، أي من مادة فيزيائية طبيعية، إلى الطور الثاني في التقدم بالمخلوق من مستوى الفيزيائي المادي إلى الحياة بفعل الماء. وعلى الرغم من أن الماء هو مادة فيزيائية فإنّ تركيب عناصره الغازية غيرها في الطور الأول، وربما نفهم إلى حدٍّ ما، أحد المفكرين الفيزيائيين الإغريق الذين عاشوا في حوالي القرن السادس ق.م، والذي أرجع قانون الكون إلى الحركة والتغير، وكان مثله الماء في مقولته المعروفة (إنك لن تدخل النهر مرتين)، وسبقه طاليس، الذي زار مِصر وشاهد تأثير ماء النيل على الحياة فقال الجملة المعروفة “مِصر هبة النيل”، وهنا نذكر بقوله تعالى: “أَوَلَم يَرَ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ كَانَتَا رَتقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلنَا مِنَ المَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤمِنُونَ”، فهنا تكون الإشارة إلى عملية (الجعل) والتي تفيد في العربية غير الخَلق، أي عملية التحول عن الأصل، فأصل الخلق من تراب الذي مرَّ بمراحل، أما ما يتم بواسطة الماء فهو جعل، مثال ذلك الفرق بين الله تعالى في خلق الحب والنواة وبين تحوله وجعله دقيقًا أو خبزًا وما إليهما.
كما نلاحظ في النحو العربي من خلال تمظهره في العبارة أو التعبير أن (مِنْ)، تطرح قضية مهمة في مبحث من المباحث القديمة الحديثة وهو ما يعرف في الإغريقية بالأنطولوجيا التي أشرنا إليها في عجالة في الحلقة الفائتة فـ(مِنْ) تحيلنا إلى (ما) التي ذكرنا في دراسات سابقة أننا نستخدمها في السؤال الفلسفي عن الماهية أو المطلق أو الوجود بما هو وجود، حيث ذكرنا أن أسماء المعاني هي مشروع التفكير الفلسفي كسؤال ما الجمال؟ وهو سؤال لا يمكن أن نقدم له تعريفًا، لأن المطلق بداهةً لا يسعه المحدود، وهذا ما أشرنا إليه في أزمة آدم عليه السلام التي قلنا عنها إنها قدرة محدودة، حيث تمكن آدم من أن يتعلم العلاقة بين الاسم والمسمى، وهذه نفسها لا تزال إحدى المشكلات المعرفية منذ محاولة أفلاطون في محاورة كراتيلوس إلى اليوم حول الاسم والتسمية وغيرها، وهي من القضايا التي كان من أبرز من اهتمّ بها المتكلمون في العربية في الخلاف الذي دار بين الاسم والفعل، ومن الفلاسفة المحدثين الألماني مارتن هايدغر، الذي جعل من اللغة بيت الوجود وتناول هو الآخر اسم الإشارة (Da Sein)، ونحيلها إلى قوله تعالى للملائكة “وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ”.
إذًا، وتذكيرًا لما تم ذكره في قضايا سابقة أن (ما) تفتحنا على الحقيقة أو الوجود أو العلم، وفي الرمز الخطي في العربية نرسمها دائرة مقفلة تشير إلى المطلق، وأن الألف تدل على إمكانية الامتداد دون أن تُحَد أو تتحيز، ومن ثَم فإن (مِنْ)، وهنا نلاحظ كسر الميم، غير (مَنْ) بفتح الميم في الاستفهام، وأن النون تدل على الموجود من الوجود، مثل قولنا: هذا خاتم مِنْ ذهب، وهنا يتم الربط بين الإحالة إلى المطلق، وهو اسم الجنس، وهو الذهب أو المطلق، والنون التي تدل على بعض الذهب في الخاتم، وكذلك على أن هذا الذهب المحدود في الخاتم هو بعض الذهب الموجود، أي إنه الموجود من الوجود، كما في (ما هذا)، فإن اسم الإشارة الذي ذكرناه في قصة آدم أو في تناول هايدغر، نفهم منه في الأساس أن المشار إليه موجود ومدرك، وأن (ما) تحيلنا ليس إلى المطلق بل إلى السؤال عن موجودية الموجود غير الظاهر منها، وهو الذي كان وراء قول الفلاسفة الإغريق من أن الفلسفة وليدة الدهشة (ثومازاين)، ولا نفهم منه إلا أن هذا الموجود أو المدرك ليس هو الحقيقة، ومن ثَم يتضح أن مشروع الفلسفة هو مشروع للتفكير المنفتح عن الوجود أو الحقيقة، وأن هذا الموجود في الدازاين ليس كما قال هايدغر إنه الوجود في اللغة، وأن اللغة بيت الوجود، إذ نرى في العربية أن الذهن بيت الوجود، وأن اللغة هي وسيلة التعبير أو العبور المفهومي، أي الاستفهام القابل للفهم أو المعرفة.
في مصطلح أنطولوجيا (ontology)، فإن هذا المصطلح مركب من ثلاثة مقاطع أشرنا إليها في المداخلة الفائتة، ولكنَّ المهم هو التنبيه أن المشكلة لا تزال قائمة خلاف ما ذهب إليه اللاهوت النصراني في القول بإمكان استخدام الدليل الأنطولوجي على (وجود الإله)، ولكنَّ العربية بدقتها تفرق بين الوجود والموجود من الوجود والله موجود الوجود، وهذا القصور في اللغات الأعجمية تتجاوزه العربية سواءً في منهج التفكير أم الأفكار أم عبور هذه الأفكار من خلال تنوع الوسائط كاللغة المصوتة أو اللغة العلامة أو اللغة الإشارة أو اللغة الرمز تمامًا كالوسائط التي نستخدمها لبلوغ الأهداف أو الغايات التي تحدد نوع الوسيلة، فقد نذهب مشيًا أو على دراجة أو سيارة أو باخرة أو طائرة، وهذا له علاقةٌ بالامتداد والزمن والحركةـ أن هذا الذي ذكرناه لا يخرج من ثنائية المقدس والمدنس وطقس التطهير، كالذي سنتناوله في المداخلة القادمة حول سؤال الوجود ومشكلة المعرفة وإشكالاتها.
