ملفات وتقارير

المقاومة اللبنانية تكتب تاريخًا جديدًا من الصمود في مواجهة العدو الصهيوني




تقرير – سيد العبيدي

لم يكن صباح الثامن من أكتوبر 2023 يومًا عاديًا على الحدود اللبنانية – الفلسطينية. فبعد أقل من 24 ساعة على انطلاق معركة “طوفان الأقصى” في قطاع غزة، اتسعت رقعة المواجهة لتشمل الجبهة اللبنانية، بعدما أعلنت المقاومة اللبنانية فتح “جبهة إسناد” دعمًا للمقاومة الفلسطينية، لتبدأ بذلك واحدة من أعنف جولات الاشتباك بين المقاومة والكيان الصهيوني منذ انتهاء حرب يوليو 2006 بين الطرفين.

ومع الساعات الأولى من ذلك اليوم، استهدفت المقاومة اللبنانية عددًا من المواقع العسكرية في مزارع شبعا اللبنانية المحتلة باستخدام الصواريخ الموجهة وقذائف الهاون، مؤكدة أن عملياتها تأتي في سياق دعم جبهة غزة. وفي المقابل، رد جيش الكيان الصهيوني بقصف مدفعي وجوي طال بلدات وقرى جنوب لبنان، لتتحول الحدود خلال أيام قليلة إلى ساحة اشتباكات شبه يومية، سرعان ما اتسعت رقعتها وتنوعت أدواتها، قبل أن تتطور لاحقًا إلى واحدة من أكبر المواجهات العسكرية التي شهدتها المنطقة منذ ما يقرب من عقدين.

قواعد اشتباك جديدة

في الأسابيع الأولى، اتسمت العمليات العسكرية بدرجة من الانضباط النسبي، إذ ركزت المقاومة اللبنانية على استهداف المواقع العسكرية، والثكنات، وأبراج المراقبة، وأجهزة الرصد والتحصينات الحدودية، بينما اعتمد الكيان الصهيوني بصورة أساسية على الغارات الجوية والقصف المدفعي ضد مواقع قال إنها تابعة للمقاومة في جنوب لبنان.

غير أن هذا الإيقاع لم يستمر طويلًا، فمع اتساع الحرب في قطاع غزة وتصاعد حدة المواجهة على الحدود، أخذت قواعد الاشتباك التي استقرت منذ حرب عام 2006 تتآكل تدريجيًّا. وازدادت وتيرة استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، واتسعت دائرة الأهداف، كما امتدت الضربات إلى مناطق أبعد داخل الأراضي اللبنانية، بما في ذلك الضاحية الجنوبية لبيروت ومنطقة البقاع، في حين وصلت هجمات المقاومة إلى أهداف عسكرية تقع على مسافات أكبر داخل شمال فلسطين المحتلة.

هذا التصعيد المتبادل عكس انتقال المواجهة من مرحلة الاحتواء المتبادل إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، اتسمت بارتفاع مستوى المخاطر واتساع رقعة العمليات العسكرية، وسط مخاوف إقليمية ودولية من انزلاق الجبهة إلى حرب شاملة.

حرب استنزاف طويلة

اعتمدت المقاومة اللبنانية منذ بداية المواجهة على أسلوب حرب الاستنزاف، من خلال تنفيذ عمليات شبه يومية استهدفت مواقع عسكرية وتحركات لقوات الكيان الصهيوني على امتداد الحدود، مستخدمة الصواريخ الموجهة، وقذائف الهاون، والطائرات المسيّرة، مع التركيز على منظومات الرصد والمراقبة وأبراج الاتصالات والتجهيزات التقنية.

في المقابل، كثف الكيان الصهيوني غاراته الجوية، معتمدًا على سلاح الجو والطائرات المسيّرة والقدرات الاستخباراتية لاستهداف البنية العسكرية للمقاومة، بما في ذلك مخازن الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة، إلى جانب تنفيذ سلسلة من الضربات التي استهدفت عددًا من القيادات الميدانية.

ومع مرور الأشهر، تحولت الجبهة إلى حرب استنزاف مفتوحة، حافظ فيها الطرفان على وتيرة عمليات مرتفعة، في محاولة لإضعاف قدرات الطرف الآخر واستنزاف موارده العسكرية واللوجستية.

 وتشير تقديرات صادرة عن مراكز أبحاث دولية إلى أن الحدود اللبنانية – الفلسطينية شهدت آلاف العمليات العسكرية المتبادلة منذ أكتوبر 2023، لتصبح واحدة من أكثر جبهات القتال نشاطًا في الشرق الأوسط منذ حرب يوليو 2006.

نزوح واسع وخسائر إنسانية

ولم تقتصر تداعيات المواجهة على الجانب العسكري، بل امتدت لتشمل الأوضاع الإنسانية والاقتصادية على جانبي الحدود. فقد أدى استمرار القصف المتبادل إلى نزوح عشرات الآلاف من سكان القرى والبلدات الحدودية في جنوب لبنان، كما أخلى الكيان الصهيوني عددًا من المستوطنات القريبة من الحدود الشمالية، في ظل تصاعد المخاوف من اتساع رقعة الحرب.

كما تسببت العمليات العسكرية في أضرار واسعة بالمنازل والمنشآت والطرق والأراضي الزراعية، ما انعكس بصورة مباشرة على النشاط الاقتصادي والزراعي، وأدى إلى تعطيل الحياة اليومية في العديد من المناطق الحدودية، كذلك نجحت المقاومة اللبنانية في ضرب الاقتصاد وتعطيل العمل والإنتاج في المستوطنات الصهيونية شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة.

من المواجهة المحدودة إلى الحرب الواسعة

ومع حلول منتصف عام 2024، بدأت المواجهة تدخل مرحلة أكثر خطورة، مع ازدياد وتيرة الضربات المتبادلة واتساع نطاقها الجغرافي. وفي سبتمبر 2024، شهدت الجبهة تصعيدًا غير مسبوق، بعدما نفذ الكيان الصهيوني حملة جوية واسعة استهدفت مواقع وقيادات للمقاومة اللبنانية في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، لتنتقل المواجهة من حرب استنزاف حدودية إلى صراع عسكري واسع أعاد رسم معادلات الاشتباك التي استقرت لسنوات بعد حرب يوليو 2006.

الحرب المفتوحة

دخلت المواجهة أخطر مراحلها بعدما شن الكيان الصهيوني حملة جوية واسعة استهدفت مواقع وقيادات بارزة في المقاومة اللبنانية داخل الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت.

وتزامن ذلك مع تنفيذ عمليات برية محدودة داخل مناطق حدودية في جنوب لبنان، حيث دارت مواجهات مباشرة استخدمت فيها الصواريخ المضادة للدروع والعبوات الناسفة والكمائن، إلى جانب استمرار القصف الجوي والصاروخي المكثف.

وفي المقابل، واصلت المقاومة إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف عسكرية داخل الكيان الصهيوني، ما جعل هذه المرحلة الأكثر عنفًا منذ اندلاع المواجهة.

وقف إطلاق النار

في 27 نوفمبر 2024، دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، منهيًا أكثر من عام من القتال المتواصل، إلا أن الجبهة ظلت تشهد حوادث متفرقة واتهامات متبادلة بخرق الاتفاق، بينما بقيت المنطقة في حالة توتر مع استمرار التحركات العسكرية على جانبي الحدود.

الاغتيالات والخسائر.. كيف استنزفت الحرب قدرات الطرفين؟

مع انتقال المواجهة إلى مرحلة الحرب المفتوحة، اعتمد الكيان الصهيوني بصورة متزايدة على استراتيجية استهداف منظومة القيادة والسيطرة داخل المقاومة اللبنانية، في محاولة لإضعاف قدرته على إدارة العمليات الميدانية. واستندت هذه الاستراتيجية إلى معلومات استخباراتية مكثفة، ودعم من وسائل الاستطلاع والطائرات المسيّرة، إضافة إلى الضربات الجوية الدقيقة.

وشهدت الأشهر الأخيرة من عام 2024 واحدة من أوسع حملات الاغتيال التي تعرضت لها المقاومة اللبنانية منذ تأسيسها، إذ طالت الغارات الصهيونية قيادات عسكرية وسياسية من الصفين الأول والثاني، في تطور اعتبره مراقبون تحولًا نوعيًّا في طبيعة الصراع بين الجانبين.

أبرز القيادات التي استشهدت


كان وسام الطويل، أحد أبرز قادة قوة الرضوان، من أوائل القيادات البارزة الذين استشهدوا خلال المواجهة، قبل أن تتسع دائرة الاغتيالات لتشمل طالب عبد الله (أبو طالب)، أحد أبرز القادة العسكريين في جنوب لبنان.

وفي يوليو 2024، اغتال الكيان الصهيوني فؤاد شكر، أحد كبار القادة العسكريين في الحزب وعضو مجلس الجهاد، في غارة استهدفت الضاحية الجنوبية لبيروت، ثم أعقب ذلك اغتيال إبراهيم عقيل، الذي تولى أدوارًا قيادية بارزة داخل قوة الرضوان.

وفي أواخر سبتمبر 2024، أعلن الكيان الصهيوني اغتيال الأمين العام للحزب السيد حسن نصر الله في غارة جوية استهدفت المقر المركزي للمقاومة اللبنانية في الضاحية الجنوبية، وهو الحدث الذي عُدَّ أخطر ضربة تتلقاها المقاومة منذ تأسيسها. كما اغُتيل لاحقًا هاشم صفي الدين، رئيس المجلس التنفيذي وأحد أبرز المرشحين لخلافة نصر الله، إلى جانب عدد من القادة الميدانيين ومسؤولي الوحدات الصاروخية والطائرات المسيّرة.

خسائر المقاومة اللبنانية

تكبدت المقاومة خسائر بشرية وعسكرية كبيرة خلال المواجهة. وتشير البيانات التي أعلنتها إلى استشهاد مئات من مقاتليها، بينما قدَّرت مصادر صهيونية وغربية العدد بما يتراوح بين 700 و900 مقاتل، مع عدم وجود حصيلة مستقلة نهائية متفق عليها.

وعلى المستوى العسكري، تعرضت عشرات مخازن الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة والأنفاق والتحصينات للقصف، كما فقد الحزب جزءًا من منظومته القيادية نتيجة الاغتيالات المتلاحقة، وهو ما فرض عليه إعادة توزيع المسؤوليات وإعادة تنظيم بعض وحداته العسكرية.

ورغم تلك الخسائر، واصلت المقاومة تنفيذ عملياتها حتى دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، معتمدة على هيكل تنظيمي سمح باستمرار إدارة المعركة رغم فقدان عدد من القيادات البارزة.

الخسائر الصهيونية

في المقابل، أعلن الجيش الصهيوني مقتل عشرات القادة والجنود خلال العمليات على الجبهة اللبنانية، إضافة إلى مقتل عدد من المدنيين نتيجة الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت المستوطنات الصهيونية في شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة.

كما تعرضت مواقع عسكرية ومنظومات مراقبة ورادارات وآليات ودبابات للاستهداف، وألحقت الهجمات أضرارًا بعدد من القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية، فضلًا عن اندلاع حرائق واسعة في مناطق عدة بسبب الصواريخ والمسيرات.

وأدت المواجهة أيضًا إلى إجلاء عشرات الآلاف من سكان المستوطنات الشمالية لأشهر طويلة، وهو ما انعكس على النشاط الاقتصادي والزراعي والسياحي في تلك المناطق.

الكلفة الاقتصادية والإنسانية

في لبنان، خلفت الحرب دمارًا واسعًا في القرى الحدودية، وألحقت أضرارًا كبيرة بالمنازل والطرق وشبكات الكهرباء والمياه والمنشآت الزراعية، كما نزح مئات الآلاف من السكان خلال ذروة المواجهة.

أما في الكيان الصهيوني، فقدرت الخسائر بمليارات الدولارات نتيجة تعبئة قوات الاحتياط، واعتراض الصواريخ والطائرات المسيّرة، وتعطل قطاعات اقتصادية في الشمال، إلى جانب تكاليف إعادة إعمار وإصلاح الأضرار التي لحقت بالمباني والبنية التحتية.

حصيلة المواجهة حتى وقف إطلاق النار

أظهرت هذه الجولة أن الكيان الصهيوني تكبد خسائر غير مسبوقة مقارنة بجولات التصعيد السابقة. فقد تمكنت المقاومة اللبنانية من الحفاظ على وتيرة عملياتها حتى الأيام الأخيرة من الحرب، وفرضت على الكيان استنزافًا عسكريًّا وأمنيًّا على امتداد الجبهة الشمالية، ما جعل هذه المواجهة من أكثر جولات الصراع كلفة وتعقيدًا منذ حرب يوليو 2006.

من ربح المواجهة؟

مع دخول اتفاق وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، لم يتوقف الجدل حول الطرف الذي خرج بأكبر المكاسب من هذه الحرب، التي تعد الأعنف بين المقاومة والكيان الصهيوني. فبينما أعلن كل طرف تحقيق أهدافه، أظهرت الوقائع الميدانية أن كلًّا منهما حقق نجاحات في بعض الجوانب، مقابل خسائر كبيرة في جوانب أخرى، ما يجعل من الصعب الحديث عن انتصار عسكري حاسم لأي منهما.

الحفاظ على الجبهة رغم تفوق العدو

تمكنت المقاومة اللبنانية، منذ فتح جبهة الإسناد، من إبقاء الجبهة الشمالية مشتعلة لنحو 3 أعوام، الأمر الذي فرض على الكيان الصهيوني نشر قوات كبيرة على الحدود الشمالية، وأدى إلى إجلاء عشرات الآلاف من سكان المستوطنات القريبة من الحدود لفترات طويلة.

كما واصلت المقاومة اللبنانية تنفيذ هجمات صاروخية واستخدام الطائرات المسيّرة حتى المراحل الأخيرة من الحرب، رغم تعرضها لضربات متلاحقة استهدفت بنيتها العسكرية وقياداتها، وهو ما اعتبره أنصارها دليلًا على استمرار قدرتها العملياتية وعدم انهيار منظومتها القتالية بالكامل.

لكن في المقابل، تلقت المقاومة واحدة من أكبر الضربات في تاريخها، بعد فقدان عدد من أبرز قادتها العسكريين والسياسيين، وفي مقدمتهم الأمين العام حسن نصر الله، إلى جانب تضرر جزء كبير من بنيتها العسكرية في الجنوب اللبناني والضاحية الجنوبية والبقاع.

 تفوق استخباراتي وجوي

على الجانب الآخر، أظهر الكيان الصهيوني تفوقًا واضحًا في مجال الاستخبارات والاستطلاع والقدرات الجوية، ونجح في تنفيذ سلسلة اغتيالات استهدفت قيادات الصف الأول داخل حزب الله، كما دمرت عددًا كبيرًا من مخازن الأسلحة ومنصات إطلاق الصواريخ ومراكز القيادة. إلا أن هذا التفوق لم يمنع استمرار الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة لفترة طويلة، كما اضطر الكيان الصهيوني إلى الإبقاء على قوات كبيرة في الشمال، وتحمل أعباء اقتصادية وعسكرية كبيرة، إضافة إلى استمرار إجلاء السكان من مناطق حدودية لأشهر متتالية.

هل تغيّر ميزان الردع؟

يرى عدد من الخبراء العسكريين أن هذه الحرب غيّرت بصورة واضحة قواعد الاشتباك التي استقرت بعد عام 2006، إذ اتسع نطاق العمليات، وازدادت أهمية الطائرات المسيّرة والأسلحة الدقيقة، وأصبحت الاغتيالات بعيدة المدى جزءًا أساسيًّا من إدارة الصراع.

كما أظهرت الحرب أن التفوق الجوي والاستخباراتي يمنح أفضلية عسكرية كبيرة، لكنه لا يؤدي بالضرورة إلى إنهاء قدرة الخصم على مواصلة القتال بصورة فورية، في حين أن المقاومة المسلحة قد تستمر في تنفيذ عملياتها رغم خسارة عدد من قياداتها إذا احتفظت ببنية تنظيمية فعالة.

التداعيات على لبنان والكيان الصهيوني

خلفت الحرب آثارًا عميقة على لبنان، حيث تعرضت مناطق واسعة في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لدمار كبير، وتضررت البنية التحتية والقطاعان الزراعي والتجاري، فضلًا عن نزوح أعداد كبيرة من السكان.

وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة، أثرت الحرب على الاقتصاد في المناطق الشمالية، وتعطلت قطاعات إنتاجية وسياحية وزراعية، كما واجهت الحكومة تحديات مرتبطة بإعادة السكان إلى المناطق الحدودية وتعزيز الإجراءات الأمنية لمنع تكرار الهجمات.

مستقبل المواجهة

ورغم سريان وقف إطلاق النار، لا تزال الجبهة اللبنانية من أكثر الجبهات حساسية في المنطقة. فاستمرار التوتر الإقليمي، وتبادل الاتهامات بخرق الاتفاق، والضربات المتفرقة، كلها عوامل تُبقي احتمالات تجدد المواجهة قائمة إذا ما شهدت المنطقة تصعيدًا جديدًا.

كما يتوقع محللون أن تعمل المقاومة اللبنانية على إعادة بناء ما تضرر من قدراتها العسكرية والتنظيمية، في حين سيواصل الكيان الصهيوني الاستثمار في تطوير قدراتها الاستخباراتية والدفاعية، وهو ما يعني أن الصراع لم ينتهِ بقدر ما دخل مرحلة جديدة تختلف في أدواتها وقواعدها عن المراحل السابقة.

حول ذلك فقدت، شكلت الحرب التي اندلعت عقب أحداث السابع من أكتوبر 2023 محطة مفصلية في تاريخ الصراع بين المقاومة اللبنانية والعدو الصهيوني، بعدما تجاوزت حدود الاشتباكات التقليدية إلى مواجهة واسعة استخدمت فيها مختلف أنواع الأسلحة والقدرات العسكرية والاستخباراتية.

ورغم الخسائر الكبيرة التي تكبدها الطرفان، أظهرت الحرب أن أيًّا منهما لم ينجح في تحقيق حسم عسكري كامل، وأن كلفة المواجهة كانت مرتفعة على المستويين العسكري والإنساني. كما أسهمت هذه الجولة في إعادة رسم معادلات الردع على الجبهة اللبنانية، وفرضت واقعًا أمنيًّا جديدًا ستكون له انعكاسات مباشرة على مستقبل الصراع في المنطقة خلال السنوات المقبلة، إضافة إلى بسالة المقاومين الذين فاجأوا العالم بهذا القدر من الشجاعة والقوة في مواجهة قوة عسكرية جبارة مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية والغرب.
إن 

وفي ظل التطورات الأخيرة، يواجه لبنان مرحلة شديدة الحساسية عقب توقيع الاتفاق الإطاري في واشنطن، الجمعة، الذي يربط بين انسحاب القوات الصهيونية من الأراضي اللبنانية ووقف العمليات العسكرية من جهة، وبين تنفيذ مسار يقود إلى حصر السلاح بيد الدولة من جهة أخرى. وقد فتح الاتفاق بابًا واسعًا أمام انقسام سياسي داخلي، إذ ترى قوى لبنانية مؤيدة للاتفاق أن نزع سلاح المقاومة يمثل مدخلًا لاستعادة سيادة الدولة، بينما تعتبره قوى أخرى محاولة لفرض شروط صهيونية وأمريكية تحت غطاء التسوية، في وقت لا يزال الكيان الصهيوني يواصل فيه خروقاته واحتلاله للأراضي اللبنانية.

وتزداد تعقيدات المشهد مع سعي واشنطن، وفق مراقبين، إلى فصل الساحة اللبنانية عن مسار التفاوض مع إيران، بما يضع ملف المقاومة داخل إطار لبناني داخلي بعيدًا عن أي تفاهمات إقليمية أوسع. ويثير هذا التوجه مخاوف من تصاعد الاستقطاب السياسي والطائفي، خصوصًا إذا جرى الدفع نحو ملف نزع السلاح دون توافق وطني شامل، وهو ما يحذر منه كثيرون باعتباره قد يعيد إنتاج أزمات داخلية تهدد السلم الأهلي، في ظل التحذيرات من أن أي معالجة قسرية لهذا الملف قد تفتح الباب أمام فتنة داخلية أو حتى مواجهات أهلية، بينما تؤكد المقاومة أن أي نقاش بشأن سلاحها يبقى مرتبطًا أولًا بانسحاب العدو الصهيوني الكامل ووقف اعتداءاته واحترام سيادة لبنان. 

ميزان الردع العامل الأبرز في لجم العدو


وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى تسويق الاتفاق باعتباره فرصة لإرساء الاستقرار على الحدود الجنوبية، يرى مراقبون أن نجاحه سيظل مرهونًا بمدى التزام العدو بتنفيذ تعهداته، وفي مقدمتها الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف الانتهاكات الجوية والبرية المتكررة، والإفراج عن الأسرى ومعالجة الملفات العالقة وفق القرارات الدولية. وفي المقابل، تؤكد المقاومة أن أي حديث عن مستقبل سلاحها لا يمكن فصله عن استمرار التهديد الصهيوني، معتبرة أن تجربة العقود الماضية أثبتت أن ميزان الردع الذي فرضته هو العامل الأبرز في منع الكيان الصهيوني من فرض وقائع جديدة بالقوة.

إلى ذلك، لم تعد المواجهة التي اندلعت عقب “طوفان الأقصى” مجرد جبهة إسناد أو حرب حدودية محدودة، بل تحولت إلى محطة مفصلية أعادت رسم معادلات الردع في المنطقة، وفتحت الباب أمام ترتيبات سياسية وأمنية جديدة سيكون لها تأثير مباشر على مستقبل لبنان ودور المقاومة فيه، وعلى شكل التوازنات الإقليمية في مرحلة ما بعد الحرب.

زر الذهاب إلى الأعلى