سلام حذِر بين واشنطن وطهران

تقرير – سيد العبيدي
دخلت الولايات المتحدة الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية مرحلة سياسية جديدة بعد توقيع مذكرة تفاهم وُصفت بأنها أخطر وأهم اختراق دبلوماسي بين البلدين منذ انهيار الاتفاق النووي عام 2018، وذلك بعد أشهر من المواجهات العسكرية والتصعيد الإقليمي الذي امتد إلى الخليج العربي ولبنان ومضيق هرمز.
وُقِّعت المذكرة إلكترونيًا يوم الخميس بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ونظيره الأمريكي دونالد ترامب، على أن تُستكمل لاحقًا بإجراءات سياسية وفنية ومفاوضات مباشرة وغير مباشرة تستمر ستين يومًا، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل ونهائي يعالج الملفات العالقة، وفي مقدمتها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات الأمريكية ومستقبل الأمن الإقليمي.
وبحسب تقارير إعلامية، جاء الاتفاق بعد وساطة مكثفة شاركت فيها كل من باكستان ومصر وقطر وتركيا، إلى جانب جهود أوروبية ودولية هدفت إلى منع انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة النطاق كانت تهدد أمن الطاقة العالمي وحركة الملاحة الدولية.
خلفية الاتفاق بين واشنطن وطهران
شهدت الأشهر الماضية تصاعدًا غير مسبوق في التوتر بين واشنطن وطهران، تخللته مواجهات عسكرية مباشرة وغير مباشرة وعمليات متبادلة أثرت بصورة كبيرة على حركة الملاحة في مضيق هرمز وأسواق الطاقة العالمية.
ومع استمرار الحرب لأكثر من ثلاثة أشهر، تصاعدت الضغوط الدولية على الطرفين للعودة إلى المسار الدبلوماسي، خصوصًا بعد ارتفاع أسعار الطاقة وتزايد المخاوف من اتساع نطاق المواجهة لتشمل دولًا أخرى في المنطقة. وأفضت هذه الجهود إلى بلورة مذكرة تفاهم تمثل إطارًا سياسيًّا مؤقتًا يمهد لاتفاق نهائي في المستقبل.
بنود مذكرة التفاهم
بحسب النصوص التي كشفت عنها مصادر أمريكية ودولية، تتضمن المذكرة أربعة عشر بندًا رئيسيًا، من أبرزها:
وقف فوري ودائم للعمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية.
التزام الطرفين بعدم اللجوء إلى القوة أو التهديد باستخدامها ضد بعضهما بعضًا مستقبلًا.
احترام سيادة كل دولة ووحدة أراضيها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر.
إطلاق مفاوضات للتوصل إلى اتفاق نهائي خلال ستين يومًا، قابلة للتمديد بموافقة متبادلة.
إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية.
التزام إيران بتوفير المرور الآمن للسفن التجارية لمدة ستين يومًا دون فرض رسوم إضافية.
بدء رفع الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية بشكل تدريجي.
السماح لإيران باستئناف صادرات النفط ضمن ترتيبات محددة.
عدم فرض عقوبات أمريكية جديدة خلال فترة المفاوضات.
الإفراج التدريجي عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج.
إعداد خطة اقتصادية وتنموية واسعة لإعادة تأهيل الاقتصاد الإيراني.
تأكيد إيران أنها لن تسعى إلى إنتاج أو امتلاك أسلحة نووية.
تجميد أي توسع إضافي في أنشطة التخصيب والمنشآت النووية خلال فترة التفاوض.
إحالة القضايا النووية المعقدة وآليات الرقابة والتفتيش إلى المرحلة الثانية من المفاوضات.
هرمز في قلب الاتفاق
ويشكل مضيق هرمز أحد أهم محاور التفاهم الجديد، إذ تعهدت إيران بإعادة فتح الممر البحري أمام السفن التجارية والعمل على إزالة العقبات الفنية والأمنية خلال فترة زمنية محددة.
وأعلنت طهران أنها تعتزم إطلاق آلية جديدة لإدارة الملاحة في المضيق بالتنسيق مع سلطنة عمان ودول الخليج المطلة عليه وفق قواعد القانون الدولي، مع عدم فرض رسوم على السفن خلال الستين يومًا الأولى من الاتفاق.
ترامب: الاتفاق أفضل من استمرار الحرب
من جهته، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن مذكرة التفاهم تمثل فرصة لإنهاء الصراع وفتح الطريق أمام تسوية طويلة الأمد. وأقر ترامب بأن المفاوضات شهدت صعوبات كبيرة خلال مراحلها الأخيرة، مؤكدًا أن إدارته كانت مستعدة للعودة إلى الخيار العسكري إذا فشلت المحادثات.
كما دافع الرئيس الأمريكي عن الاتفاق أمام منتقديه داخل الولايات المتحدة وخارجها، مؤكدًا أن الهدف الأساسي يتمثل في منع امتلاك إيران سلاحًا نوويًّا وإعادة الاستقرار إلى المنطقة وتأمين تدفق الطاقة إلى الأسواق العالمية.
تصريحات مثيرة بشأن حزب الله
وفي واحدة من أكثر التصريحات إثارة للجدل، قال ترامب إنه اقترح على قادة الكيان الصهيوني، المطلوبين لدى محكمة الجنايات الدولية بتهمة الإبادة الجماعية في غزة، ترك مهمة مواجهة المقاومة اللبنانية إلى رئيس تنظيم هيئة تحرير الشام السابق أبو محمد الجولاني “أحمد الشرع”، بعد فشل العمليات العسكرية الصهيونية المباشرة مع المقاومة اللبنانية، قائلًا: “الإسرائيليون لا يعرفون قتال حزب الله في لبنان، لذلك اقترحت عليهم أن يتولى الشرع المهمة بدلًا عنهم”.
خامنئي: وافقنا لكننا لا نقبل وجهة نظر العدو
من جانبه، أعلن المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، السبت، أنه أصدر الإذن بالموافقة على مذكرة تفاهم وُقِّعت بين الرئيسين الإيراني والأمريكي، رغم تحفظه على مضمونها، وذلك بعد تلقيه تأكيدات من الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ومسؤولين آخرين بأنهم يتحملون مسؤولية “حماية حقوق الشعب”.
وفي رسالة مكتوبة إلى الشعب الإيراني، قال خامنئي إنه كانت لديه وجهة نظر مختلفة بشأن مذكرة التفاهم مع واشنطن، لكنه وافق عليها التزامًا منه تجاه الرئيس الإيراني، مضيفًا: “بزشكيان تعهد بتحمل مسؤولية الاتفاق مع أمريكا”.
وأوضح أن بزشكيان، بصفته رئيس المجلس الأعلى للأمن القومي، تحمل مسؤولية ضمان حماية مصالح إيران بموجب الاتفاق، متعهدًا بعدم تقديم تنازلات في حال قدمت واشنطن ما وصفها بمطالب مفرطة. كما تابع: “المفاوضات المباشرة التي ستُجرى مستقبلًا لا تعني قبول وجهة نظر العدو”، مشيرًا إلى أنه “إذا بالغ الجانب الأمريكي في مطالبه فلن نقبل ذلك”.
بزشكيان: المذكرة رسالة من إيران القوية
من جهته، قال الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إن مذكرة التفاهم التي وقعها مع الرئيس الأمريكي “وثيقة تاريخية ورسالة من إيران القوية.. السلام يتحقق في ظل الاحترام المتبادل”.
وأكد أن جمهورية إيران الإسلامية ملتزمة ومتمسكة دومًا بالسلام العالمي، مع الحفاظ على الكرامة والاستقلال والتقدم والتعاون الإقليمي.
قاليباف: الاتفاق هزيمة للأمريكيين
من جانبه، أكد رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف أن المذكرة تمثل “هزيمة للولايات المتحدة”، مؤكدًا أن الشعب الإيراني سيحكم بنفسه على نتائج الاتفاق بعد الاطلاع على تفاصيله.
وأكد قاليباف أن إيران تعتزم فرض رسوم على السفن التي تعبر مضيق هرمز بعد فترة ستين يومًا معفاة من أي رسوم، وفق ما تنص عليه مذكرة التفاهم مع الولايات المتحدة، ريثما يتم التفاوض على نص نهائي. وقال إن المضيق لن يعود إلى ما كان عليه قبل الحرب.
وتابع كبير المفاوضين الإيرانيين ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف أن لإيران حقًّا سياديًّا في مضيق هرمز، وبالطبع سنجبي رسومًا مقابل هذه الخدمات.
من جانبه، ناقش وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، في اتصالات مع وزراء خارجية مصر وتركيا والعراق، مذكرة تفاهم إسلام آباد. وقال عراقجي إن واشنطن مسؤولة عن تنفيذ الاتفاق، ويجب وقف الاعتداءات والهجمات التي يشنها النظام الصهيوني على لبنان.
باكستان تعلن نجاح الوساطة
من جانبه، اعتبر رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن توقيع المذكرة يمثل انتصارًا للدبلوماسية بعد أشهر من الحرب، مؤكدًا أن بلاده لعبت دورًا محوريًّا في تقريب وجهات النظر بين الطرفين.
وأشار رئيس الوزراء الباكستاني إلى أن الاتفاق يفتح الطريق أمام إعادة فتح مضيق هرمز ورفع القيود المفروضة على إيران وبدء مرحلة جديدة من التفاوض السياسي.
أبرز ردود الفعل على الاتفاق
إلى ذلك، رحبت كل من موسكو وبكين بالاتفاق، معتبرتين أنه خطوة إيجابية نحو خفض التوتر ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.
وأكدت روسيا دعمها لأي مسار دبلوماسي يحقق الاستقرار الإقليمي، فيما دعت الصين جميع الأطراف إلى الالتزام ببنود المذكرة والعمل على إنجاح المفاوضات المقبلة وصولًا إلى اتفاق دائم.
وقالت وزارة الخارجية الصينية إنها ترحب بتوصل أمريكا وإيران إلى مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب، معربة عن أملها في توقيع الوثيقة كما هو مخطط لها.
وأضافت الخارجية الصينية: “نأمل أن تلتزم جميع الأطراف بخيار السلام من خلال الحوار والمفاوضات”.
كما رحب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران، مؤكدًا أنه نتيجة جهد دبلوماسي ساهم فيه عدد من الشركاء، وداعيًا جميع الأطراف المتنازعة إلى تنفيذه بشكل سريع وكامل.
ورحبت مصر كذلك بالاتفاق الذي تم التوصل إليه بين أمريكا وإيران، واعتبرته “تطورًا بالغ الأهمية من شأنه استعادة الأمن والاستقرار على المستويين الإقليمي والدولي”، وفقًا لبيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية.
وأضافت الخارجية المصرية أن “مصر واصلت -خلال الأشهر الماضية- جهودها الجادة والصادقة، بالتنسيق والتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، من أجل الوصول إلى هذه النقطة وإنهاء الحرب”.
وفي الرياض، أعربت وزارة الخارجية السعودية عن ترحيب المملكة بالتوصل إلى اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء العمليات العسكرية وبدء مفاوضات تفصيلية خلال فترة ستين يومًا بهدف التوصل إلى اتفاق دائم.
وثمنت السعودية جهود الوساطة التي قامت بها كل من باكستان وقطر، وتجاوب الولايات المتحدة وإيران مع هذه الجهود التي أفضت إلى التوصل إلى هذا الاتفاق.
كما رحب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بالإعلان عن توصل الولايات المتحدة وإيران إلى اتفاق سلام ينص على وقف إطلاق نار فوري ودائم وإعادة فتح مضيق هرمز، مع وجود إطار لمزيد من المفاوضات، مضيفًا: “هذه خطوة حاسمة نحو حل سلمي للصراع”.
وكالة الطاقة الذرية ترحب بالاتفاق
أعلن المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي ترحيبه بالمذكرة، مؤكدًا استعداد الوكالة للمشاركة في المشاورات الفنية الخاصة بتنفيذ أي تفاهمات نووية قد يتم التوصل إليها خلال المرحلة المقبلة.
وأوضح أن الملف النووي سيحتاج إلى ترتيبات تقنية معقدة تتعلق بالتخصيب والمخزون النووي وآليات الرقابة والتفتيش الدولي.
اجتماع سويسرا.. المرحلة الثانية
في سياق متصل، تتجه الأنظار حاليًا إلى سويسرا التي تستضيف الجولة التالية من المفاوضات بين الجانبين.
ووفقًا لآخر المعطيات، وصل المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى مسار تفاوضي جديد يهدف إلى تحويل مذكرة التفاهم إلى اتفاق دائم.
وتناقش اجتماعات سويسرا ملفات رفع العقوبات والبرنامج النووي ومستقبل الترتيبات الأمنية في الخليج ولبنان وآليات تنفيذ البنود الاقتصادية الواردة في المذكرة.
تطورات ميدانية تهدد المسار السياسي
ورغم الأجواء الإيجابية التي رافقت التوقيع، فإن الوضع الميداني لا يزال هشًّا. فقد شهد جنوب لبنان خلال الأيام الأخيرة تبادلًا للهجمات بين المقاومة اللبنانية والكيان الصهيوني، الذي يواصل انتهاك اتفاق وقف إطلاق النار، الأمر الذي أدى إلى تأجيل بعض الاجتماعات التمهيدية وأثار مخاوف من انهيار التفاهمات قبل انطلاق المفاوضات النهائية.
هذا ويواصل الكيان الصهيوني خرق اتفاق وقف إطلاق النار في مناطق جنوب لبنان واحتلال المزيد من الأراضي، وهو ما تعتبره إيران وأطراف أخرى مخالفًا لروح الاتفاق ومهددًا لمسار التهدئة.
مستقبل الاتفاق
يرى مراقبون أن مذكرة التفاهم الحالية ليست اتفاق سلام نهائيًّا، بل إطار سياسي مؤقت يمنح الأطراف فرصة للتفاوض حول القضايا الأكثر تعقيدًا.
فيما تبقى الملفات النووية والعقوبات ومستقبل النفوذ الإقليمي الإيراني ووضع حزب الله ولبنان والعلاقات الأمريكية الإيرانية طويلة المدى من بين أبرز العقبات التي قد تحدد نجاح أو فشل المفاوضات خلال الأسابيع المقبلة.
ومع بدء العد التنازلي لفترة الستين يومًا، يترقب العالم ما إذا كانت هذه المذكرة ستتحول إلى اتفاق تاريخي يعيد رسم ملامح الشرق الأوسط، أم أنها ستنضم إلى سلسلة المحاولات السابقة التي تعثرت أمام تعقيدات السياسة والصراعات الإقليمية.
