ثروة تتآكل وناقوس خطر يدق

بقلم/ عثمان يونس
شكلت الزراعة والموارد المائية والغطاء النباتي على امتداد العقود الماضية، أحد أهم مقومات الأمن القومي الليبي، ليس فقط باعتبارها مصادر للغذاء والمياه، بل أيضًا باعتبارها خط الدفاع الأول في مواجهة التصحر والزحف الصحراوي الذي يهدد أكثر من 90% من مساحة البلاد. غير أن السنوات التي أعقبت عام 2011 شهدت تراجعًا مقلقًا في أوضاع هذا القطاع الحيوي، وسط انتشار البناء العشوائي، والتعديات على الأراضي الزراعية، وتدهور الغابات والمشروعات الإنتاجية الكبرى، ما يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الأمن الغذائي والبيئي في ليبيا.
تُعدُّ ليبيا من أكثر الدول العربية محدودية في الأراضي الصالحة للزراعة، إذ لا تتجاوز نسبة الأراضي القابلة للزراعة فيها نحو 2% من إجمالي مساحة البلاد البالغة 1.76 مليون كيلومتر مربع، أي ما يعادل نحو 3 إلى 4 ملايين هكتار فقط. وتتركز هذه الأراضي في الشريط الساحلي والجبل الأخضر وبعض الواحات والمناطق الجنوبية التي تعتمد على المياه الجوفية.
ورغم هذه المحدودية الطبيعية، استطاعت الدولة الليبية خلال العقود الماضية إنشاء عشرات المشروعات الزراعية الكبرى واستصلاح مساحات واسعة من الأراضي، إضافة إلى تنفيذ برامج للتشجير ومكافحة التصحر، خاصة في مناطق الجبل الأخضر والساحل. كما أنفقت مليارات الدولارات على البنية التحتية الزراعية من آبار وشبكات ري وخزانات وطرق زراعية ومحطات كهرباء، ما ساهم في رفع الإنتاج المحلي من الحبوب والخضراوات والتمور والزيتون، وتحقيق مستويات مهمة من الاكتفاء الذاتي في بعض المنتجات.
لكن هذه المكتسبات تعرضت خلال السنوات الأخيرة إلى تراجع حاد. فالبناء العشوائي أصبح يلتهم آلاف الهكتارات من الأراضي الزراعية الخصبة، خصوصًا في محيط المدن الكبرى مثل طرابلس وبنغازي ومصراتة والخُمس والزاوية والمرج والبيضاء. وتشير تقديرات محلية إلى فقدان مساحات كبيرة من الأراضي المنتجة لصالح كتل إسمنتية غير مخططة، في ظل غياب الرقابة وضعف تطبيق القوانين المنظمة للتخطيط العمراني.
ولم تتوقف التعديات عند الأراضي الزراعية الخاصة أو العامة، بل امتدت إلى أراضي الدولة والغابات والمشروعات الإنتاجية الكبرى. ففي العديد من المناطق جرى الاستيلاء على أراضٍ عامة بحجج قبلية أو عبر مستندات ملكية محل نزاع، فيما تحولت مساحات واسعة من الغابات التي أُنشئت منذ سبعينيات القرن الماضي إلى أراضٍ مجرفة أو مواقع للبناء العشوائي.
وتشير بيانات دولية إلى أن نسبة الغابات والمناطق المشجرة في ليبيا لا تتجاوز حاليًا نحو 0.1% من مساحة البلاد، وهي من أدنى النسب عالميًّا. كما تعرضت أجزاء من غابات الجبل الأخضر وغابات الساحل إلى تراجع ملحوظ بسبب القطع الجائر للأشجار والحرائق والتوسع العمراني غير المنظم، ما أدى إلى انحسار المساحات الخضراء التي كانت تمثل رئة بيئية مهمة للبلاد.
ومن أبرز الأمثلة على تدهور القطاع الزراعي مشروع اللود الزراعي الواقع على طريق الجنوب، والذي يُعد من أكبر المشروعات الزراعية التي أُنشئت في ليبيا. فقد امتد المشروع لعشرات الكيلومترات وضَمّ ملايين أشجار النخيل والزيتون المثمرة، إضافة إلى عشرات الآبار والخزانات وشبكات الكهرباء والري. وبدأ المشروع فعليًا في الإنتاج خلال العقد الأول من الألفية الجديدة، لكنه اليوم يعاني من الإهمال والتخريب وسرقة المعدات، وتحولت أجزاء كبيرة منه إلى أراضٍ بور تتعرض للزحف الرملي، في مشهد يلخص حجم الخسائر التي لحقت بالاستثمارات الزراعية الوطنية.
ويأتي هذا التراجع في وقت تعتمد فيه ليبيا بشكل متزايد على استيراد الغذاء من الخارج. فبحسب تقديرات منظمات دولية، تستورد البلاد أكثر من 75% من احتياجاتها الغذائية، فيما تراجعت مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي إلى مستويات متدنية مقارنة بما كانت عليه قبل عام 2011. ويجعل هذا الواقع ليبيا أكثر عرضة لتقلباتالأسواق العالمية والأزمات الدولية التي تؤثر على أسعار وتوافر السلع الغذائية.
أما المياه، وهي أساس الحياة والزراعة في ليبيا، فتواجه بدورها تحديات متصاعدة. فمشروع النهر الصناعي العظيم، الذي يُعدُّ أكبر مشروع لنقل المياه الجوفية في العالم بطول يتجاوز أربعة آلاف كيلومتر من الأنابيب، يعاني من نقص أعمال الصيانة والتطوير، إضافة إلى التعديات المتكررة على خطوطه ومرافقه. ويشكل استمرار هذه المشكلات تهديدًا مباشرًا لإمدادات المياه التي يعتمد عليها ملايين الليبيين في الشرب والزراعة والصناعة.
وتحذر تقارير بيئية من أن استمرار تراجع الغطاء النباتي وتدهور الأراضي الزراعية سيؤدي إلى تسارع وتيرة التصحر وارتفاع درجات الحرارة المحلية وزيادة العواصف الرملية والغبارية، فضلًا عن تراجع التنوع الحيوي واستنزاف الموارد الطبيعية. كما أن فقدان الأراضي الزراعية الخصبة سيعمق الفجوة الغذائية ويزيد من الاعتماد على الواردات الخارجية.
إن ما يحدث اليوم في قطاع الزراعة والمياه والغطاء النباتي في ليبيا ليس مجرد أزمة قطاعية، بل قضية تمس الأمن القومي والاقتصادي والبيئي للبلاد. فالأرض التي تُجرف للبناء العشوائي يصعب استعادتها، والغابة التي تُقطع تحتاج عقودًا لتعويضها، والمشروع الزراعي الذي يتوقف عن الإنتاج يحتاج استثمارات ضخمة لإحيائه من جديد.
لذلك أصبح من الضروري إطلاق خطة وطنية شاملة لحماية الأراضي الزراعية والغابات، وإزالة التعديات، وإحياء المشروعات الإنتاجية المتوقفة، وتعزيز برامج التشجير ومكافحة التصحر، وضمان صيانة منظومة النهر الصناعي العظيم. فبدون تحرك عاجل وحاسم، قد تجد ليبيا نفسها خلال العقود المقبلة أمام خسارة واحدة من أهم ثرواتها الاستراتيجية: الأرض والماء والغطاء النباتي، وهي الثروة التي لا يمكن تعويضها بسهولة مهما توفرت الموارد المالية.
