مقالات الرأي

ليبيا في قبضة الداخل والخارج: مأزق السيادة


بقلم/ محمود امجبر
في المشهد الليبي الراهن، لم يعد السؤال عن طبيعة الأزمة، بل عن عمقها وتشعب جذورها. واقعٌ تتداخل فيه الانتهازية مع الفساد، ويطفو فيه على السطح نموذجٌ مشوّه من الفاعلين، بين مليشاوي وصولي، أو متسلق سياسي، أو صاحب خطاب أيديولوجي مستهلك، جميعهم يجتمعون عند قاسم مشترك: توظيف الفوضى لخدمة مصالحهم الضيقة.
لم تعد القضية مجرد صراع سياسي تقليدي، بل تحوَّلت إلى حالة من الانهيار المركَّب، حيث تُدار البلاد بعقلية الغنيمة، وتُختزل الدولة في كراسي وسلطة وامتيازات. في هذا السياق، يصبح الكذب أداة، والنفاق وسيلة، والفساد منظومة متكاملة، تتجلى في الرشوة، والتزوير، والنهب المنظم، وحتى في ارتهان القرار الوطني للخارج.
ليبيا اليوم تبدو، في نظر كثيرين، أقرب إلى ساحة نفوذ دولي منها إلى دولة ذات سيادة. قواعد عسكرية أجنبية، وتدخلات متعددة الجنسيات، وقرار سياسي مرتهن لإرادة الخارج، كلها مؤشرات على تآكل مفهوم الدولة الوطنية. وفي ظل هذا الواقع، تتعاظم أدوار الفاعلين الدوليين، بينما يتراجع صوت المواطن الليبي، الذي يجد نفسه مغيَّبًا عن ثرواته، محرومًا من أبسط حقوقه، ويكابد أزمات معيشية خانقة.
الأخطر من ذلك، أن هذه الحالة لم تعد طارئة أو عابرة، بل تحولت إلى نمط مستقر من سوء الإدارة والفساد، ما جعل قطاعات واسعة من الشعب تشعر بأنها تعيش أسوأ مراحل تاريخها الحديث، منذ تأسيس الدولة الليبية. فبدل أن تكون الثروة نعمة، أصبحت لعنة تُغذي الصراع، وبدل أن تكون الدولة مظلة جامعة، تحولت إلى ساحة صراع بين قوى متناحرة.
إن تحميل المسؤولية هنا لا يجب أن يكون انتقائيًا، بل شاملًا لكل من ساهم، بالفعل أو بالصمت، في إيصال البلاد إلى هذا المنعطف الخطير. فالتاريخ لا يرحم، والشعوب لا تنسى، والمرحلة تتطلب مراجعة جذرية، لا مجرد تبادل للاتهامات.
في النهاية، يبقى السؤال الأهم: إلى متى يستمر هذا الانحدار؟ وهل يمتلك الليبيون القدرة على استعادة زمام المبادرة، وبناء دولة حقيقية تُعيد الاعتبار للسيادة والعدالة والكرامة؟

زر الذهاب إلى الأعلى