الوطن بين تحديات العصر وثبات المبادئ

بقلم / المهدي الفهري
عندما نتمسك بالصبر والحكمة تفتح لنا الأبواب المؤصدة وتنقاد إلينا الآمال بعناية من تلقاء ذاتها ونمتلك القدرة على قطع نصف الطريق نحو تجاوز الصعاب بأقل التكاليف، ولكننا في خضم ذلك نحتاج إلى الثقة والتماسك وشجاعة النظر إلى أنفسنا قبل غيرنا وإلى أن نتعرف على عيوبنا قبل أن نترصد أخطاء الآخرين ونحصي زلاتهم لكي نستطيع تجاوز النصف الباقي من عقبات الحياة فنحقق الرضا ونشعر بالاكتفاء ونحن ندرك في زحام الحياة أن ليس كل ما يُقال يستحق الرد عليه، ولا كل ما يحدث يستوجب الوقوف عنده والدخول في تفاصيله، فالغوص في الكثير من البحث والتحليل والفرضيات قد يدخلنا في متاهات لا داعي لها، ويقودنا إلى صراعات بينية ليست واجبة ولا جدوى منها.
ونحن نعتقد أيضًا حينما تعصف الأزمات فإن الحل لا يكمن في القطيعة، بل في التقارب والحوار كأفق للفكر وجسر للتواصل والسعي إلى التسامح والمصالحة، وإن كانت المصالحة لا تكتفي بالاعتذار وجبر الضرر، بل بالقدرة على التنازل من كل الأطراف ليصل الجميع إلى اتفاق راسخ وإحساس دائم يشعرهم بالأمان وعدم الحاجة إلى البحث عن الحماية أو طلب الوصاية من أي جهة أخرى غير الجهة الشرعية، مع أهمية تبني الخطاب المؤسساتي الذي يتجسد في التشاور ونبذ اللغة الأحادية أمام من يحاولون تبني الخطاب الشعبوي، ولمن كانوا يبحثون عن ليبيا بين القبور، ويسوِّقون -بوجه سافر- لوجود الأجنبي كحليف وعامل استقرار ونماء، وليس وكيلًا لسرقة ما تبقى من الجغرافيا والذاكرة والتاريخ وما رافق ذلك من آلام عميقة في الوجدان الليبي، وهم لا يسمعون إلا ما يريدون سماعه، فلا ينبغي أن نضيّع الوقت هدرًا في محاولة إقناعهم.
كما تعلمنا أن الحياة تحتاج أحيانًا إلى تجاهل بعض الأشخاص وتجاوز بعض الأحداث، وتعلُّم كيفية التصرف والتعاطي معها بوعي عند الضرورة، ورغم ما نقدمه من تجارب ونصائح علينا أن نخفض من سقف توقعاتنا حتى لا نصطدم بالواقع، وأن نقدم أنفسنا كما نحن دون تصنُّع أو ادعاء أو مبالغة حتى لا نفقد ذواتنا وهويتنا وقدرتنا على التأثير في زحام الإرضاء، وأن نختار المقاس الذي يناسبنا ما بين تقليدية الشكل وحداثية المضمون، فلا مدينة فاضلة على هذه الأرض، ولا كمال مطلق لبشر عادي، ولا توجد عصًا سحرية بيد أحد، ولا ضمانات مطلقة في قاموس السياسة، وعندما تشتد الأزمات وتتكرر ينبغي أن نعالجها بعقل ونضج وكخطوة للبداية والمداومة ولو بتوقعات متدنية وليس بقطع العلاقات، فالاختلاف لا يعني دائمًا الخلاف بقدر ما يعني التنوع والتكامل، ونحن نعي أن المتربصين ببلادنا لن يتركوها إن استطاعوا حتى يعلنوا إفلاسها ويتركوا من ورائهم وطنًا منزوع السيادة ومواطنًا مسلوب الإرادة، وذلك حلمهم، وربما أملهم، فلا يجب أن نمكنهم بوعينا من بلوغه والوصول إليه، فالوعي يُعد مدخلًا أساسيًّا فاعلًا وكفيلًا بالحفاظ على المبادئ وتجاوز كافة التحديات.
