نظرية الأوتاد وسقوط الحجارة: تفكيك العبقرية الجيوسياسية لإيران وهشاشتها البنيوية

بقلم / محمد نبيغ
تحت هذا العنوان العريض، يمكن اليوم تشريح التحولات الإستراتيجية العميقة التي تعيد صياغة المشهد الإقليمي؛ حيث تقف إيران كدولة مأزومة في الداخل، وممتدة ببراعة هندسية وميدانية في الخارج. إنها إستراتيجية قائمة على جدلية “الأوتاد” التي تغرسها طهران في جغرافية المنطقة، مقابل “حجارة الاستقرار” الداخلي التي تتساقط واحدة تلو الأخرى بفعل التآكل البنيوي.
أولًا: السياسة الداخلية (أوتاد الداخل المتآكلة وسقوط حجارة الاستقرار): إن الانتقال من الحديث عن “التشظي السياسي” الذي تُحدثه إيران في جغرافية الإقليم، إلى تشريح “التشظي السياسي في الداخل الإيراني”، ينقلنا إلى بنية سياسية شديدة التعقيد والهشاشة في آن واحد؛ فبينما تبدو السلطة في طهران ككتلة صماء من الخارج، يعيش الداخل حالة من التآكل البنيوي والانقسامات العمودية والأفقية التي يمكن قراءتها عبر الأبعاد التالية: صراع الأجنحة داخل “النظام المغلق”: لم تعد السياسة الإيرانية مجرد خلاف تقليدي بين “محافظين” و”إصلاحيين” -وهو تقسيم شارف على الانتهاء- بل تشظت إلى كتل متنافسة داخل النواة الصلبة للنظام نفسه، وتتمثل في:
تيار المحافظين الجدد والتشدد الأيديولوجي: الذي يسعى إلى إحكام القبضة على مفاصل الدولة كافة، ويرفض أي مرونة في ملف الحريات أو العلاقات مع الغرب.
تيار التكنوقراط والواقعيين البراغماتيين: الذين يرون أن استمرار الجمود الأيديولوجي يهدد بقاء الدولة الاقتصادي ويدفع نحو انفجار شعبي حتمي.
صراع الوراثة الصامت: وهو المحرك الأعمق للتشظي الحالي؛ حيث تُدار الكواليس بترقب شديد لمرحلة “ما بعد المرشد”، وسط تضارب مصالح حاد بين مؤسسة الحرس الثوري -التي تمددت اقتصاديًّا وسياسيًّا- والمؤسسة الدينية الحوزوية.
الفجوة الجيلية والقيمية (انفصام الدولة عن المجتمع): إن أخطر ملامح التشظي في إيران لا يحدث داخل أروقة الحكم، بل في القطيعة المتزايدة بين الجيل الشاب والسلطة الثيوقراطية؛ فقد أثبتت الحركات الاحتجاجية المتتالية، مثل احتجاجات “امرأة، حياة، حرية”، أن النظام فقد القدرة على صياغة “إجماع وطني” جامع.
وبات المجتمع الإيراني يعيش في عالمين متوازيين: عالم رسمي تفرضه السلطة بقوة القانون والأمن، وعالم موازٍ حديث وعلماني يعيشه المواطنون في تفاصيل حياتهم اليومية، مما يخلق تشظيًا هوياتيًّا وثقافيًّا عميقًا.
التشظي القومي والعرقي (الهوامش ضد المركز): إيران ليست دولة ذات نسيج عرقي واحد، والسياسات المركزية لطهران ساهمت في تعميق الشعور بالتهميش لدى القوميات غير الفارسية، مثل الأكراد، والبلوش، والأحواز العرب، والآذريين.
ويمثل هذا التشظي العرقي خاصرة رخوة للنظام؛ إذ تحولت هذه المناطق إلى بؤر احتجاج مستمرة تشكو من التهميش الاقتصادي والتمييز الثقافي والقبضة الأمنية العنيفة، ما يجعل التماسك الجغرافي للدولة مهددًا عند أي هزة سياسية كبرى.
التآكل الاقتصادي كمغذٍّ للتشظي الاجتماعي: العقوبات الدولية، وسوء الإدارة، وتقديم الإنفاق الإقليمي على التنمية الداخلية، خلقت طبقتين داخل إيران:طبقة منتفعة مرتبطة بالحرس الثوري ومؤسسات الدولة، وأغلبية اجتماعية تعاني من التضخم والبطالة وتآكل القدرة الشرائية.
هذا التفاوت حوَّل الصراع السياسي من صراع نخبوي حول “شكل النظام” إلى صراع معيشي طبقي يهدد السلم الأهلي ويقوِّض شرعية الدولة الاجتماعية.
خلاصة الداخل: إن إستراتيجية “التشظي السياسي” التي برعت طهران في تصديرها إلى دول الجوار كأداة نفوذ، باتت تجد ارتداداتها داخل حدودها؛ فالنظام الإيراني يواجه معضلة إستراتيجية حادة: قبضة أمنية قوية في الأعلى، تقابلها بنية مجتمعية وسياسية شديدة التشظي والاضطراب في الأسفل.
