مقالات الرأي

أسس وثوابت الأمن الوطني


بقلم/ فرج عيواز
لا شك أن الخوف والأمن حالتان متلازمتان في حياة الإنسان، فالأمن يمنح الطمأنينة، بينما يشكل الخوف آلية إنذار طبيعية. والخوف سلاح ذو حدين، فقد يكون دافعًا إلى العمل والاجتهاد، وقد يتحول إلى سبب للتردد والعجز، إذا تجاوز حدوده الطبيعية. ولذلك فإن التوازن بين الشعور بالأمن والإحساس بالمخاطر، يعد أمرًا طبيعيًّا.
وتتجلى العلاقة بين الأمن والخوف في سلوك الإنسان اليومي، فخوفه من الفشل يدفعه إلى الاجتهاد، وخوفه من العقاب يعزز التزامه بالقوانيين ومعايير المجتمع، في حين الخوف من الخسارة، يسبب الامتناع عن المغامرة. وفي المقابل يوفر الأمن البيئة المناسبة للتنمية، غير أن استمرار هذه الحالة قد يؤدي بالبعض إلى الكسل، ولذلك فإن الأمن والخوف ليستا حالتين متعارضتين دائمًا، بل في كثير من الأحيان مكملان لبعضهما، فإدراك المخاطر والخوف من نتائجها، عامل مهم في المحافظة على الأمن وتعزيزه.
ويفسر حرص الإنسان على الانتماء إلى جماعة، كالأسرة والقبيلة، هو حاجته إلى التعاون مع الآخرين لتأمين مقتضيات الحياة، والتي يصعب تأمينها بشكل فردي، وقد أسهم هذا الحرص إلى جانب عوامل أخرى، في نشأة المجتمعات المنظمة، والتي مهدت إلى ظهور الدولة السياسية، والتي يقع على عاتقها حماية المجتمع ومؤسساته، وهذه الحماية عُبر عنها بمفهوم الأمن الوطني، وهو مفهوم واسع ومتعدد الأبعاد، يشمل مختلف السياسات والإجراءات اللازمة لحماية الدولة والمجتمع من التهديدات الداخلية والخارجية.
ومع التطور الحضاري الذي شهدته البشرية، وتشعب العلاقات بين الدول وتعقدها، تطور مفهوم الأمن وأصبح علمًا له قواعده وأسسه، وهذا لا يعني أن الإنسان القديم لم يعرف الأمن، ولكن معرفته كانت متناسبة مع رقيه المجتمعي وتطوره الحضاري.
فقد تناول القرآن الكريم قضايا الأمن، في مواضع عدة، وبين أن الأمن من أعظم نعم الله على عباده، وأكد القرآن على أهمية مبدأ القوة العسكرية في مواجهة التهديدات الأمنية، وأهمية العدالة الاجتماعية وسيادة القانون، لتحقيق الأمن والاستقرار، وبقاء الدولة واستمراريتها.
والنقلة النوعية التي حدثت لمفهوم الأمن كانت خلال القرن العشرين، ولا سيما بعد الحرب العالمية الثانية، حيث ظهرت العديد من المدارس الفكرية والنظريات، التي تناولت الأمن من زوايا متعددة، كالفرد والدولة والجغرافيا والنظام العالمي، وأصبحت الدراسات الأمنية حقلًا معرفيًّا يعتمد على مناهج علمية في تحليل التهديدات، وسبل مواجهتها، وفق خطط استراتيجية أمنية.
ويكمن الخطر، أن بعض القوى الدولية، تضع مصالحها معيارًا لاستراتيجيتها الأمنية، فأنشأت الأساطيل البحرية وبنت القواعد العسكرية خارج أراضيها بعشرات الآلاف من الكيلومترات، وتدخلت في شؤون الشعوب الأخرى وأسقطت العديد من الأنظمة، ونصبت غيرها، وكل ذلك تم تحت شعار حماية الأمن الوطني.
ومن المفاهيم التي أثارت جدلًا واسعًا، في الدراسات الأمنية مفهوم “الأمننة”، الذي ارتبط بمدرسة كوبنهاغن (1985/ 2014)، ويقوم هذا المفهوم على تحويل القضايا السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وحتى العلمية إلى أزمات أمنية، تقدم على أساس أنها تهديد وجودي يستوجب التعامل معه بإجراءات استثنائية، وبهذا المفهوم تم تدمير العديد من الدول، التي كانت آمنة ومستقرة مثل العراق وليبيا وسوريا، وعملية “الغضب الملحمي” التي تقودها أمريكا ضد إيران هي مثال حي على تحويل برنامج نووي سلمي بإشراف الوكالة الدولية للطاقة الدرية، إلى تهديد أمني، في الوقت الذي تمتلك فيه أمريكا ثاني أكبر ترسانة نووي بعد روسيا الاتحادية.
وللأمن الوطني مقومات وأولويات متعددة، يصعب حصرها في نموذج واحد، إذ تختلف من دولة إلى أخرى، تبعًا لخصائصها الجغرافية والسياسية، فالموقع الجغرافي وطبيعة النظام السياسي والموارد والسكان، جميعها عوامل تؤثر في تحديد التهديدات والمصالح الوطنية، ومن ثم فإن القضايا الأمنية لا تحظى بالأهمية نفسها لدى جميع الدول.
ونظرًا إلى الدور المحوري الذي يؤديه الأمن، في بناء الدولة واستقرارها وديمومتها، فقد زاد الاهتمام بالدراسات الأمنية، في مختلف دول العالم، في ظل نظام دولي يعيش حالة صراع وتنافس شديدين على المصالح والنفوذ، بعيدًا عن حالة التعاون وتعايش السلمي بين الأمم.
ومن المبادئ الأساسية التي تراعى في الاستراتيجيات الأمنية، أن الأمن يبنى ولا يشترى، ولكل دولة خصوصياتها التي تفرض عليها مقاربتها الأمنية الخاصة، كما تمثل القوات المسلحة إحدى الركائز الأساسية للأمن القومي، لما لها من دور في حماية الدولة وردع التهديدات الداخلية والخارجية، مستندة في ذلك على الدعم الشعبي.
غير أن فاعلية الاستراتيجية الأمنية تظل مرهونة، بمدى شعور المواطن بالأمن والاحترام والتقدير، وقدرة الدولة على ترسيخ مبادئ العدالة وسيادة القانون، وتعزيز الانتماء الوطني.

زر الذهاب إلى الأعلى