ما الذي جنيناه من الربيع العربي.. وأين فلسطين من جدول أعمال الأمة العربية؟

بقلم/ محمد علوش
بعد أكثر من خمسة عشر عامًا على انطلاق ما عرف بـ«الربيع العربي»، تبدو الحاجة ملحَّة لإجراء مراجعة سياسية وفكرية جادة لهذه المرحلة التي شكَّلت واحدة من أكثر المحطات تأثيرًا في التاريخ العربي المعاصر، فبعيدًا عن المواقف المسبقة، يبقى السؤال قائمًا: ماذا حققت شعوبنا العربية بعد كل هذه السنوات؟ وهل اقتربت من أهداف الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية، أم أنها وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا وانقسامًا؟
لا خلاف على مشروعية المطالب التي رفعتها الجماهير العربية آنذاك، من حرية وكرامة وإصلاح سياسي ومحاربة للفساد، لكن النتائج التي أفرزتها التطورات اللاحقة جاءت في كثير من الحالات بعيدة عن تلك التطلعات، فقد دخلت دول عربية في دوامات من الحروب والصراعات الداخلية، وتعرضت أخرى لاستنزاف اقتصادي واجتماعي عميق، فيما اتسعت التدخلات الإقليمية والدولية في الشؤون العربية بصورة غير مسبوقة.
وخلال هذه السنوات، انشغلت معظم الدول العربية بأزماتها الداخلية، وتراجعت مفاهيم العمل العربي المشترك والتضامن القومي لصالح أولويات قطرية ضيقة، وفي ظل هذا الواقع، تراجعت القضايا العربية الجامعة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي كانت لعقود طويلة عنوانًا لوحدة الوجدان العربي.
لقد دفعت فلسطين ثمنًا باهظًا لحالة التشرذم العربي، ففي الوقت الذي كانت فيه المنطقة غارقة في أزماتها، واصلت إسرائيل مشاريعها الاستيطانية والتوسعية، وعمّقت احتلالها للأرض الفلسطينية، وارتكبت جرائم متواصلة بحق الشعب الفلسطيني، دون أن ينجح النظام العربي في بلورة موقف موحد أو استراتيجية فعالة قادرة على مواجهة هذه السياسات أو الحد من آثارها.
ورغم تراجع القضية الفلسطينية على سلم أولويات العديد من الأنظمة العربية خلال السنوات الماضية، فإنها لم تفقد مكانتها السياسية والتاريخية، فما زالت القضية الفلسطينية تمثل جوهر الصراع في المنطقة، ويظل الاحتلال الإسرائيلي أحد أبرز مصادر عدم الاستقرار، إلا أن مركزية فلسطين لم تعد تنعكس بالقدر نفسه في السياسات الرسمية العربية أو في مؤسسات العمل العربي المشترك.
ومن هنا يبرز التساؤل حول دور النظام العربي الرسمي، وفي مقدمته جامعة الدول العربية، فالتجربة الممتدة لعقود كشفت محدودية قدرة هذه المؤسسة على التأثير في مسار الأحداث أو تنفيذ قراراتها، والمشكلة لا تكمن في غياب القرارات أو البيانات، بل في غياب الإرادة السياسية وآليات التنفيذ والمتابعة والمساءلة، لذلك فإن أي حديث جدي عن مستقبل العمل العربي المشترك يجب أن يبدأ بإصلاح مؤسساته وتطوير آلياتها بما يتناسب مع التحولات التي تشهدها المنطقة.
وفي موازاة أزمة النظام العربي الرسمي، لا يمكن إعفاء القوى والأحزاب السياسية العربية من مسؤوليتها، فقد شهدت الحياة السياسية العربية تراجعًا ملحوظًا في دور الأحزاب والحركات الجماهيرية، وانعكس ذلك في ضعف قدرتها على التأثير وصياغة البدائل، وتتحمل قوى التقدم واليسار مسؤولية خاصة، ليس لأنها تسببت في أزمات المنطقة، بل لأنها لم تتمكن من بلورة مشروع عربي ديمقراطي وتقدمي موحد قادر على مواجهة التحديات الجديدة واستعادة دورها التاريخي.
لقد كانت فلسطين دائمًا إحدى القضايا المركزية التي جمعت قوى اليسار والتقدم والديمقراطية في الوطن العربي، إلا أن السنوات الأخيرة كشفت عن تراجع مستوى التنسيق والعمل المشترك بين هذه القوى، في وقت كانت فيه القضية الفلسطينية بأمسِّ الحاجة إلى حراك عربي شعبي وسياسي واسع يعيد الاعتبار إليها بوصفها قضية تحرر وطني وقومي وإنساني.
إن المراجعة الجادة لما جرى خلال السنوات الماضية تفرض الاعتراف بأن الأمة العربية دفعت ثمنًا باهظًا نتيجة الانقسامات والصراعات وغياب الرؤية المشتركة، كما تفرض البحث عن صيغ جديدة للعمل العربي المشترك تعيد الاعتبار إلى التضامن العربي باعتباره ضرورة سياسية واستراتيجية، لا مجرد شعار عاطفي، ففي عالم يتجه نحو التكتلات والتحالفات الكبرى، لا يمكن للعرب مواجهة تحدياتهم متفرقين، كما لا يمكن لفلسطين أن تستعيد مكانتها على جدول أعمال الأمة العربية ما لم تستعد الأمة نفسها قدرتها على الفعل المشترك وصياغة مشروع عربي جامع، فالمستقبل لا تصنعه بيانات الشجب والاستنكار، بل تصنعه الإرادة السياسية والرؤية الواضحة والعمل الجماعي القادر على تحويل الأقوال إلى أفعال.
