مقالات الرأي

متى سنخرج من اقتصاد الحاجات؟


بقلم / محمد بن نيران
مشروع أو فكرة إلغاء الدعم العيني واستبداله بالنقدي أخذت فيما مضى وقتًا طويلًا في النقاش بالمستوى الحكومي والتخطيطي والشعبي، وأعتقد أنها في الأساس كانت فكرة حكومية، والذي واجهها هو الرأي العام الشعبي وأشبعها رفضًا وسخرية، حتى في شخص المسؤول الذي طرح هذه الفكرة البناءة بشجاعة تطلبتها مفاهيم وظروف تلك المرحلة، وكان طرحه ودفاعه عن الفكرة مخلصًا وصادقًا للصالح العام والخاص في آن واحد.
وبعد مرور كل هذه السنوات فرضت الحاجة إلى هذا النظام نفسها أكثر من ذي قبل، وأصبح هناك تقبل واضح للفكرة، وبات التحفظ أو الشكوك أو المخاوف يتمحور فقط حول كفاءة الآليات وهشاشة الأدوات وضعف التنظيم القانوني لمباشرة التنفيذ، أضف إلى ذلك الانقسام السياسي والتشظي والفساد المستشري في كل مفاصل الدولة اليوم، وكذلك في القطاع الخاص الجديد الذي تشكل مؤخرًا من ثلة المرابين في العملة وتجار السيولة ورجال الاعتمادات وأثرياء الحروب والمسلحين، والذين سيضطر الجميع لتسميتهم بمصطلح أو مسمى رجال الأعمال، إلى حين إعادة بعث منظومة العدالة والقضاء والقيام حينها بعملية الفرز الحقيقي والمعياري لكل هذه التشوهات.
التحول لنظام الدعم النقدي ليس من نوع قرارات الصدمة، ولن يكون تنفيذه بهذا الشكل إلا مثل حالة إحلال السوق العام محل التاجر في مرة واحدة، ومن ثم إلغاء السوق العام وإعادة التاجر بجرة قلم في مرة واحدة، فلا عاش هذا ولا ذاك، وظل فهمنا الجمعي القاصر بأن الاقتصاد إما أن يكون موجهًا كمثال السوق العام الخالي من الموز، أو اقتصاد السوق الذي أغرقنا بالموز الإكوادوري المعروض على الأرصفة بـ12 دينارًا، ولا تجد العامة القدرة على شرائه.
إن مرحلة محددة بزمن ومشمولة بحزمة من التشريعات والضوابط شيء أساسي لإحداث تخارج منضبط بين النظامي العيني والنقدي، في تقديري تحتاج إلى فترة لا تقل عن 10 سنوات، وهذه الفترة لا تشمل الزمن الذي ستستغرقه الحروب البينية ومدة كورسات وروشيتات وإحاطات سوق النصائح والتجارب الدولية الخاص بدمقرطة الليبيين، وإنما تبدأ بعد ظهور ملامح صادقة لعودة الوعي وتحقيق استقرار نسبي يمكن التعويل أو الوثوق في تحوله لاستقرار دائم، والأهم استعادة ملكية إدارة الشأن الليبي لصالح الليبيين وحدهم.
إن تغيير الأنماط السلوكية في كيفية شراء واستهلاك الغذاء لمجتمع كامل أمر يُعد من الأهداف الاستراتيجية في علم التخطيط الاستراتيجي القومي، وليس هدفًا تقليديًّا مرنًا يمكن تحقيقه عبر غرفة الحكومة فقط، والتي لا يمكن التعويل على نماذجها الحالية في تحقيق أي تقدم بهذا الملف، والأسباب كثيرة ومعروفة.
هذا النوع من الأهداف الاستراتيجية يخضع لتحليل الفرص والتهديدات ونقاط الضعف ونقاط القوة، وليس لحساب الجدوى وتحقيق الوفورات المالية فقط، ومواجهة العجز المالي في الميزانية.
وفي جميع الأحوال يجب أن يتم كل ذلك ضمن برنامج وطني متكامل تخطيطي وتشريعي وتنفيذي وتقني واجتماعي توعوي.
إن أهم عامل لضمان هذا البرنامج ليس القرارات الحكومية التي تلزمنا العمل بهذا النموذج أو ذاك من أنظمة الدعم، بل في التشريعات الضامنة لحسن التنفيذ والمانعة للاحتكار والمضاربة، بحيث لا نستبدل دور صندوق موازنة الأسعار العام بدور بديل لبعض التجار تحت مسمى الوكلاء المعتمدين أو الشركات المعتمدة، ويصبح الأمر مختلفًا فقط في طريقة الدفع، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالتسعير الجبري للسلع الأساسية، حيث إن تحرير الأسعار وعدم مراقبتها سيجعل من قيمة الدعم النقدي بعد 6 أشهر من إقرارها لا تساوي حتى 10% من تكلفة حاجات الفرد من سلع المحروقات والمواد التموينية الأساسية.
إن الدوران حول قضية الدعم وحدها باعتبارها السبب فيما يحصل أو أنها الحل لما حصل، دون الانتباه للثقب الأسود الذي يبتلع المخصصات والمحروقات ويستنزف الحلول والجهود، سيجعل من أي خطوة قادمة مهما كان حجمها وتأثيرها لا تعدو كونها قفزة أخرى نحو مجهول جديد، سيزيد من حجم الإنفاق غير المرشد والنهب المتوحش للوفر الذي سيتحقق جراء تنظيم ملف الدعم، والذي بدوره سيذهب للمضاربة بأسواق العقارات أو لمطاردة الدولار، وسيزاحم قنوات الطلب الحالية من أفراد وأرباب أسر وتجار ومهربي البشر وتجار المخدرات والعمالة الوافدة غير المقننة والشركات الأجنبية التي تنفذ مشروعات تقليدية وهامشية بالدينار الليبي وتشتري النقد الأجنبي من السوق السوداء، في أغرب وأسوأ ممارسات عرفها القطاع المالي والمصرفي في ليبيا.
إن الواقع والحقيقة الماثلة أمام أعين الجميع بأن الفجوات في مستوى الدخل والمعيشة صارت عميقة، بل وسحيقة ومتباعدة بين طبقتي المجتمع الجديدة، وبالتالي فإن أي سياسات وأطروحات لإصلاح الاقتصاد يجب أن تبدأ من هذه التشوهات، والدعم يجب أن يوجه لتقليل الفجوة لا أن يعمم للكافة، والضرائب العقارية وضرائب الدخل يجب أن تكون ضمن أهم أدوات ردم تلك الهوة، والاستراتيجيات يجب أن تصمم لبناء اقتصاد مستداممتى سنخرج من اقتصاد الحاجات؟
محمد بن نيران
مشروع أو فكرة إلغاء الدعم العيني واستبداله بالنقدي أخذت فيما مضى وقتًا طويلًا في النقاش بالمستوى الحكومي والتخطيطي والشعبي، وأعتقد أنها في الأساس كانت فكرة حكومية، والذي واجهها هو الرأي العام الشعبي وأشبعها رفضًا وسخرية، حتى في شخص المسؤول الذي طرح هذه الفكرة البناءة بشجاعة تطلبتها مفاهيم وظروف تلك المرحلة، وكان طرحه ودفاعه عن الفكرة مخلصًا وصادقًا للصالح العام والخاص في آن واحد.
وبعد مرور كل هذه السنوات فرضت الحاجة إلى هذا النظام نفسها أكثر من ذي قبل، وأصبح هناك تقبل واضح للفكرة، وبات التحفظ أو الشكوك أو المخاوف يتمحور فقط حول كفاءة الآليات وهشاشة الأدوات وضعف التنظيم القانوني لمباشرة التنفيذ، أضف إلى ذلك الانقسام السياسي والتشظي والفساد المستشري في كل مفاصل الدولة اليوم، وكذلك في القطاع الخاص الجديد الذي تشكل مؤخرًا من ثلة المرابين في العملة وتجار السيولة ورجال الاعتمادات وأثرياء الحروب والمسلحين، والذين سيضطر الجميع لتسميتهم بمصطلح أو مسمى رجال الأعمال، إلى حين إعادة بعث منظومة العدالة والقضاء والقيام حينها بعملية الفرز الحقيقي والمعياري لكل هذه التشوهات.
التحول لنظام الدعم النقدي ليس من نوع قرارات الصدمة، ولن يكون تنفيذه بهذا الشكل إلا مثل حالة إحلال السوق العام محل التاجر في مرة واحدة، ومن ثم إلغاء السوق العام وإعادة التاجر بجرة قلم في مرة واحدة، فلا عاش هذا ولا ذاك، وظل فهمنا الجمعي القاصر بأن الاقتصاد إما أن يكون موجهًا كمثال السوق العام الخالي من الموز، أو اقتصاد السوق الذي أغرقنا بالموز الإكوادوري المعروض على الأرصفة بـ12 دينارًا، ولا تجد العامة القدرة على شرائه.
إن مرحلة محددة بزمن ومشمولة بحزمة من التشريعات والضوابط شيء أساسي لإحداث تخارج منضبط بين النظامي العيني والنقدي، في تقديري تحتاج إلى فترة لا تقل عن 10 سنوات، وهذه الفترة لا تشمل الزمن الذي ستستغرقه الحروب البينية ومدة كورسات وروشيتات وإحاطات سوق النصائح والتجارب الدولية الخاص بدمقرطة الليبيين، وإنما تبدأ بعد ظهور ملامح صادقة لعودة الوعي وتحقيق استقرار نسبي يمكن التعويل أو الوثوق في تحوله لاستقرار دائم، والأهم استعادة ملكية إدارة الشأن الليبي لصالح الليبيين وحدهم.
إن تغيير الأنماط السلوكية في كيفية شراء واستهلاك الغذاء لمجتمع كامل أمر يُعد من الأهداف الاستراتيجية في علم التخطيط الاستراتيجي القومي، وليس هدفًا تقليديًّا مرنًا يمكن تحقيقه عبر غرفة الحكومة فقط، والتي لا يمكن التعويل على نماذجها الحالية في تحقيق أي تقدم بهذا الملف، والأسباب كثيرة ومعروفة.
هذا النوع من الأهداف الاستراتيجية يخضع لتحليل الفرص والتهديدات ونقاط الضعف ونقاط القوة، وليس لحساب الجدوى وتحقيق الوفورات المالية فقط، ومواجهة العجز المالي في الميزانية.
وفي جميع الأحوال يجب أن يتم كل ذلك ضمن برنامج وطني متكامل تخطيطي وتشريعي وتنفيذي وتقني واجتماعي توعوي.
إن أهم عامل لضمان هذا البرنامج ليس القرارات الحكومية التي تلزمنا العمل بهذا النموذج أو ذاك من أنظمة الدعم، بل في التشريعات الضامنة لحسن التنفيذ والمانعة للاحتكار والمضاربة، بحيث لا نستبدل دور صندوق موازنة الأسعار العام بدور بديل لبعض التجار تحت مسمى الوكلاء المعتمدين أو الشركات المعتمدة، ويصبح الأمر مختلفًا فقط في طريقة الدفع، وكذلك الأمر فيما يتعلق بالتسعير الجبري للسلع الأساسية، حيث إن تحرير الأسعار وعدم مراقبتها سيجعل من قيمة الدعم النقدي بعد 6 أشهر من إقرارها لا تساوي حتى 10% من تكلفة حاجات الفرد من سلع المحروقات والمواد التموينية الأساسية.
إن الدوران حول قضية الدعم وحدها باعتبارها السبب فيما يحصل أو أنها الحل لما حصل، دون الانتباه للثقب الأسود الذي يبتلع المخصصات والمحروقات ويستنزف الحلول والجهود، سيجعل من أي خطوة قادمة مهما كان حجمها وتأثيرها لا تعدو كونها قفزة أخرى نحو مجهول جديد، سيزيد من حجم الإنفاق غير المرشد والنهب المتوحش للوفر الذي سيتحقق جراء تنظيم ملف الدعم، والذي بدوره سيذهب للمضاربة بأسواق العقارات أو لمطاردة الدولار، وسيزاحم قنوات الطلب الحالية من أفراد وأرباب أسر وتجار ومهربي البشر وتجار المخدرات والعمالة الوافدة غير المقننة والشركات الأجنبية التي تنفذ مشروعات تقليدية وهامشية بالدينار الليبي وتشتري النقد الأجنبي من السوق السوداء، في أغرب وأسوأ ممارسات عرفها القطاع المالي والمصرفي في ليبيا.
إن الواقع والحقيقة الماثلة أمام أعين الجميع بأن الفجوات في مستوى الدخل والمعيشة صارت عميقة، بل وسحيقة ومتباعدة بين طبقتي المجتمع الجديدة، وبالتالي فإن أي سياسات وأطروحات لإصلاح الاقتصاد يجب أن تبدأ من هذه التشوهات، والدعم يجب أن يوجه لتقليل الفجوة لا أن يعمم للكافة، والضرائب العقارية وضرائب الدخل يجب أن تكون ضمن أهم أدوات ردم تلك الهوة، والاستراتيجيات يجب أن تصمم لبناء اقتصاد مستدام، اقتصاد الإنتاج والخدمات لا اقتصاد التموين والمحروقات، اقتصاد الطنجرة.
، اقتصاد الإنتاج والخدمات لا اقتصاد التموين والمحروقات، اقتصاد الطنجرة.

زر الذهاب إلى الأعلى