مقالات الرأي

العبور من الغنيمة إلى الدولة


بقلم/ عبدالكريم الزياني
منذ عام 2011 تعيش ليبيا واحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث. لم يكن ما حدث مجرد تعثر سياسي أو أمني، بل كان اهتزازًا عميقًا لفكرة الدولة نفسها. وبين سنوات من الانقسام والصراع وتراجع الخدمات وتبدد الثقة ظل الليبي البسيط يتساءل: متى يعود الوطن إلى أبنائه؟ ومتى تصبح الدولة بيتًا للجميع لا ساحة للتنافس والصراع؟
إن بناء الدولة الليبية لا يقتصر على تشكيل الحكومات أو تنظيم الانتخابات. فالدولة في معناها الحقيقي شعور بالأمان قبل أن تكون مؤسسات. وهي علاقة ثقة بين الإنسان ووطنه قبل أن تكون قوانين وإجراءات. ولهذا فإن أي مشروع حقيقي لبناء ليبيا يحتاج إلى ثلاثة أسس مترابطة هي المواطنة والسيادة والرفاه.
تبدأ الحكاية من المواطنة. حين يشعر الإنسان أن حقوقه مصانة وأن مكانته لا تحددها القبيلة أو المنطقة أو الانتماء السياسي يصبح أكثر قدرة على العطاء وأكثر قربًا من وطنه. لقد أرهقت الانقسامات المجتمع الليبي وأضعفت الروابط التي كانت تجمع أبناء البلد الواحد. لذلك فإن استعادة روح المواطنة ليست مجرد خيار سياسي، بل حاجة إنسانية تعيد الطمأنينة إلى النفوس وتمنح الناس شعورًا بأنهم شركاء في وطن واحد ومستقبل واحد.
أما السيادة فهي كرامة الوطن حين تتحول إلى واقع. فلا يمكن لدولة أن تستقر إذا تعددت مراكز القرار، أو إذا أصبح مصيرها مرتبطًا بإرادات خارجية. والسيادة لا تعني الانغلاق، بل تعني أن يكون القرار الوطني نابعًا من مصلحة الليبيين، وأن تكون مؤسسات الدولة هي الحارس الحقيقي لأمن الناس واستقرارهم.
ويظل الرفاه الحلم البسيط الذي ينتظره المواطن في حياته اليومية. فالناس لا تبحث فقط عن الشعارات الكبيرة. إنها تبحث عن مدرسة جيدة لأبنائها، ومستشفى يحفظ كرامة مرضاها، وطريق آمن يصل بين المدن، وفرصة عمل تمنح الشباب أملًا في المستقبل. وتمتلك ليبيا من الإمكانات والثروات ما يجعلها قادرة على توفير حياة كريمة لكل أبنائها إذا أحسن استثمار هذه الموارد وأديرت بروح المسؤولية والعدالة.
إن المواطنة والسيادة والرفاه ليست مجرد عناوين سياسية، إنها ملامح الحياة التي يحلم بها كل إنسان. فالمواطنة توحد القلوب، والسيادة تحمي الوطن، والرفاه يمنح الناس أملًا في الغد. وعندما تجتمع هذه القيم تصبح الدولة أكثر من مجرد مؤسسات وتتحول إلى وطن يشعر فيه الجميع أنهم جزء من الحكاية.
لقد أثبتت تجارب الشعوب أن الأوطان لا تنهض بالقوة وحدها ولا بالثروة وحدها. إنها تنهض عندما يؤمن أبناؤها بأن ما يجمعهم أكبر من كل الخلافات. وليبيا اليوم تحتاج إلى هذا الإيمان أكثر من أي وقت مضى. تحتاج إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على العدالة والثقة والشراكة ويحفظ كرامة الإنسان ويعيد للدولة هيبتها ولمواطنيها شعورهم بالأمان.
إن التحدي الحقيقي أمام ليبيا ليس فقط إنهاء الانقسام السياسي، بل الانتقال من عقلية الغنيمة إلى عقلية الدولة. من منطق اقتسام النفوذ إلى منطق بناء المؤسسات. ومن البحث عن المكاسب السريعة إلى التفكير في مستقبل الأجيال القادمة.
وعندما تصبح المواطنة أساس العلاقة بين الليبيين والسيادة عنوان القرار الوطني والرفاه هدف السياسات العامة سيكون الوطن قد بدأ بالفعل أولى خطواته نحو الاستقرار والتنمية. عندها فقط لن تكون ليبيا وطنًا نبحث عنه، بل وطنًا يجد فيه كل ليبي نفسه وأحلامه ومستقبله.

زر الذهاب إلى الأعلى