مقالات الرأي

إنسانية على المقاس


بقلم / عفاف الفرجاني


لم تعد قضية الهجرة غير النظامية في ليبيا مجرد ملف أمني أو إنساني، بل تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا ارتباطًا بالسيادة الوطنية والهوية والاستقرار الديموغرافي للدولة. وقد كشفت الاحتجاجات التي شهدتها طرابلس وعدد من المدن الليبية خلال الأيام الماضية عن حجم القلق الشعبي المتصاعد تجاه ما يعتبره كثير من الليبيين محاولات لتحويل بلادهم من دولة عبور إلى منطقة احتواء دائمة للمهاجرين واللاجئين.
ففي الوقت الذي نصب فيه محتجون خيامهم أمام مقر المفوضية السامية لشؤون اللاجئين بمنطقة السراج وأعلنوا إغلاقه، رافعين شعارات ترفض التوطين والتجنيس والاستيطان، كانت الوفود الأوروبية تواصل اجتماعاتها مع المسؤولين الليبيين لمناقشة ملف الهجرة والتعاون الأمني. وهنا تكمن المفارقة الكبرى؛ فالقارة التي ترفع راية حقوق الإنسان وتقدم نفسها باعتبارها الحارس الأول للكرامة الإنسانية، تبدو أكثر حرصًا على إبعاد المهاجرين عن حدودها من حرصها على استقبالهم.
لقد أثارت زيارة مفوض الاتحاد الأوروبي للهجرة ووزراء من إيطاليا واليونان ومالطا إلى ليبيا تساؤلات مشروعة لدى الرأي العام الليبي حول طبيعة الدور المطلوب من البلاد. خصوصًا في ظل وجود حكومة منبطحة مثل حكومة طرابلس.
فالسؤال: هل المطلوب دعم ليبيا لمعالجة الأزمة، أم تحويلها إلى منطقة انتظار مفتوحة لموجات الهجرة القادمة من إفريقيا؟
النقاشات الأوروبية المتكررة حول الدول الثالثة ومراكز الاستقبال خارج أوروبا زادت من مخاوف الليبيين بشأن مستقبل هذا الملف.
واللافت هنا أن الانتقادات لم تأت من الشارع الليبي فقط، بل صدرت أيضًا عن منظمات دولية. فقد اعتبرت منظمة العفو الدولية أن السياسات الأوروبية الرامية إلى وقف الهجرة بأي ثمن أسهمت في إبقاء آلاف المهاجرين واللاجئين داخل ليبيا رغم الظروف السياسية والأمنية المعقدة، محذرة من أن معالجة الأزمة بهذه الطريقة لا تحل المشكلة، بل تنقلها من الضفة الشمالية إلى الضفة الجنوبية للمتوسط.
وفي المقابل، وبعد التصعيد الشعبي الذي شاهدته ليبيا، هناك تغيير في موقف السلطات الليبية، حيث رفضت أي مشاريع توطين، مستندة إلى التشريعات الوطنية المنظمة لدخول وإقامة الأجانب، والذي أقر من عهد الجماهيرية، بينما يرى المحتجون أن مخاوفهم لا تنبع من خطاب الكراهية كما يروج البعض له، بل من واقع يفرض أسئلة مشروعة حول مستقبل بلد يعاني الانقسام السياسي وغياب السلطة الموحدة وتحديات اقتصادية وأمنية متراكمة.تزيد عليه أعداد من المهاجرين الذين لديهم أحكام قانونية ومارقين على القانون… الخ
في تقديري، الحقيقة التي لا ينبغي القفز فوقها هي أن الكثيرين أيضًا من المهاجرين الإفريقيين هم ضحية لهذه المعادلة المختلة. فهم يهربون من الحروب والفقر وانعدام الفرص بحثًا عن حياة أفضل، ثم يجدون أنفسهم عالقين في دول العبور نتيجة سياسات دولية تبدو عاجزة عن معالجة جذور الأزمة في إفريقيا، وقادرة فقط على نقل أعبائها من مكان إلى آخر. ولذلك فإن رفض تحويل ليبيا إلى ساحة توطين لا يعني العداء للمهاجرين أو التنكر لمعاناتهم، بل رفض تحميل دولة مأزومة مسؤولية أزمة دولية تتجاوز قدراتها وإمكاناتها.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس لماذا يحتج الليبيون؟ بل لماذا تصر أوروبا على تقديم نفسها مدافعة عن حقوق الإنسان، بينما تبحث في الوقت نفسه عن كل السبل الممكنة لإبقاء أصحاب هذه الحقوق خارج حدودها؟ فحقوق الإنسان لا تتجزأ، والكرامة الإنسانية لا يمكن أن تتحول إلى شعار داخل أوروبا وسياسة احتواء خارجها.

زر الذهاب إلى الأعلى