مقالات الرأي

القضاء ينتصر


بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
في لحظة فارقة من تاريخ ليبيا المعاصر، وبعد سنوات من الكآبة وشبه هزيمة للضمير الليبي الذي تعرض لسنوات من القتل البطيء في خسارة لشعب وجِّهت له سهام الغدر ضمن خيانة للأخلاق والوطن حتى أصبح يعيش في نكبات متتالية وأكثر مأساوية هو هذا الفقد للعدالة ورمزيتها القيمة على حفظ الحقوق ومنع الظلم والقصاص وحفظ حرية المواطن في أن يعيش في وطن في ظل عدالة تحفظ حقوقه وتراعي آدميته الإنسانية ضمن قضاء عادل وحر ونزيه، فهذه اللحظة الآنية لا يمكن قراءتها كحدث قضائي عابر، جاء حكم محكمة استئناف طرابلس – الدائرة الثالثة عشرة – ليعلن بوضوح أن العدالة، مهما طال حصارها، قادرة على كسر القيود والانتصار للحقيقة، وأهم مافي ذلك شجاعة وتصميم من ينطق بالحق أن العدل أساس في إصدار أي حكم نزيه لمن ادعى عليه ظلمًا وبهتانًا، ولاشك أن ماتعرض له رجال القضاء في سنوات مابعد الكارثة السياسية تحت تآمر دولي استهدف الوطن والشعب ودفع رجال القضاء الثمن ما شهد منهم من خطف واغتيال وتصفية دموية، منهم قضاة ومستشارون ووكلاء نيابة ومحامون.
إنه الخميس الذي لم يكن عاديًّا في وجدان الليبيين، بل يومًا أعاد الاعتبار للقضاء الليبي، وهو يخطو بثبات نحو استعادة هيبته واستقلاله، بعد سنوات حاولت فيها أطراف متعددة توظيفه في صراعات سياسية لا تمت للعدالة بصلة. لقد شكل الحكم القاضي ببراءة عدد من القيادات الوطنية، وفي مقدمتهم المناضل البطل عبد الله السنوسي، والمناضل منصور ضو، نقطة تحول حقيقية، ليس فقط في مسار القضية، بل في مسار الثقة العامة في مؤسسة القضاء.
فهؤلاء الذين وُضعوا في دائرة الاتهام وجدوا أنفسهم لسنوات في مواجهة اتهامات وسرديات سبقت أحكام القضاء، وروّجت لها أطراف سعت إلى فرض واقع سياسي معين. غير أن ما حدث اليوم يؤكد أن القضاء الليبي، حين يتحرر من الضغوط، قادر على إعادة الأمور إلى نصابها، وكشف الفارق بين العدالة الحقيقية والأحكام التي تُصاغ خارج أروقة المحاكم.
إن هذا الحكم لا يمكن عزله عن السياق العام، فهو رسالة واضحة بأن مرحلة توظيف القضاء قد تلقت ضربة قوية، وأن ميزان العدالة بدأ يميل من جديد نحو الإنصاف، بعيدًا عن الضغوط والابتزاز السياسي.
لكن، ورغم أهمية هذه اللحظة، فإن الطريق لا يزال مفتوحًا أمام استحقاق أكبر، يتمثل في استكمال تنفيذ هذه الأحكام، وإنصاف كل من طالتهم دائرة الاتهام دون وجه حق، وأن ينال المعتقل الأستاذ أحمد إبراهيم حقه في حكم بالبراءة عاجلًا باكتمال ما جرى اليوم والذي ليس انتصارًا لأشخاص بقدر ما هو انتصار لفكرة الدولة نفسها، الدولة التي لا تقوم إلا على قضاء مستقل، لا يخضع إلا للقانون، ولا ينحني إلا للحقيقة. ويسرني هنا أن نزف أجمل التهاني للأبطال الذين شملتهم عدالة البراءة ولكل الشعب الليبي الذي يرى في هذا الحدث فرحة عارمة تعيد الثقة إلى القضاء الليبي وإلى أهل الرفاق الأعزاء أجمل التهاني لهم ولأسرهم.

زر الذهاب إلى الأعلى