مأزق التوطين

بقلم/ عثمان الدعيكي
منذ عام 2011 وما أعقب عمليات الناتو في ليبيا وإسقاطه لنظامها الوطني من حالة انقسام سياسي واضطراب أمني وضعف مؤسسات الدولة، تحولت ليبيا إلى واحدة من أهم بؤر الهجرة غير الشرعية في منطقة البحر المتوسط. فموقعها الجغرافي واتساع حدودها البرية والبحرية جعلاها ممرًّا مفتوحًا أمام موجات متزايدة من المهاجرين القادمين من دول إفريقية وآسيوية مختلفة، الأمر الذي ألقى بأعباء اقتصادية متنامية على دولة تعاني أصلًا من تحديات مالية وخدمية كبيرة.
وتشير تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود ما يقارب مليون مهاجر داخل الأراضي الليبية، فيما يصعب تحديد العدد الحقيقي بسبب استمرار تدفقات الدخول غير النظامية واتساع المناطق الخارجة عن الرقابة الفعلية للدولة، كما تفيد تقارير محلية بدخول ما بين 500-1500 مهاجر غير رسمي يوميًّا وخصوصًا من الحدود الجنوبية والشرقية للبلاد، ويزداد هذا العدد مع زيادة الفوضى واستئناف الاشتباكات المسلحة. وفي ظل محدودية البيانات الرسمية، تتزايد المخاوف من أن أعدادًا كبيرة من هؤلاء المهاجرين لم تعد تنظر إلى ليبيا كمحطة عبور مؤقتة، بل كوجهة إقامة واستقرار طويلة الأمد.
وتنعكس هذه الظاهرة بشكل مباشر على الاقتصاد الليبي من خلال زيادة الضغط على الخدمات العامة والبنية التحتية. فليبيا تعد من أكثر دول العالم معاناة من شح الموارد المائية وتعتمد بصورة شبه كاملة على المياه الجوفية ومشروع النهر الصناعي، كما تواجه منذ سنوات أزمة مزمنة في قطاع الكهرباء وانقطاعات متكررة نتيجة ارتفاع الطلب وضعف الاستثمارات في الشبكات ومحطات التوليد. ومع تزايد أعداد المقيمين بصورة غير قانونية يرتفع الاستهلاك اليومي للمياه والطاقة في وقت تكافح فيه الدولة لتلبية احتياجات المواطنين الأساسية.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، إذ تتحمل الميزانية العامة أعباء إضافية نتيجة استمرار سياسة دعم المحروقات التي تكلف الدولة مليارات الدولارات سنويًّا. فكل زيادة في أعداد المستهلكين في الداخل تعني ارتفاعًا في استهلاك الوقود المدعوم والكهرباء والخدمات العامة، وهو ما يضاعف الضغوط على المالية العامة في اقتصاد يعتمد بصورة رئيسية على مورد واحد وهو عائدات النفط.
كما أدى انتشار الأنشطة الاقتصادية غير الرسمية إلى خسائر إضافية للاقتصاد الوطني. فالكثير من الأعمال التجارية والحرفية التي تمارس من قبل المهاجرين عي خارج الأطر القانونية لا تخضع للضرائب أو الرسوم أو متطلبات الترخيص، الأمر الذي يحرم الخزانة العامة من موارد مالية مهمة ويخلق منافسة غير متكافئة مع أصحاب الأعمال النظاميين. وتشير تجارب دول عديدة إلى أن توسع الاقتصاد الموازي يؤدي إلى تراجع الإيرادات العامة وإضعاف قدرة الدولة على تمويل مشروعات التنمية وتحسين الخدمات.
وفي ذات الوقت تتزايد المخاوف من التداعيات الديموغرافية طويلة المدى لهذه الظاهرة، خصوصًا مع استقرار أعداد كبيرة من المهاجرين وتكوينهم أسرًا داخل البلاد. فاستمرار هذا الوضع دون سياسات واضحة للضبط والتنظيم قد يفرض تحديات إضافية تتعلق بالتخطيط العمراني والتعليم والصحة والأمن الاجتماعي، في بلد لا تزال مؤسساته تكافح لاستعادة قدرتها على إدارة الملفات الأساسية.
ويرى كثير من المراقبين أن ما يحدث لا يمكن فصله عن السياسات الأوروبية تجاه ملف الهجرة. فبينما ترفع دول شمال المتوسط شعارات مكافحة الهجرة غير الشرعية وحماية حدودها، فإن الإجراءات المتبعة على الأرض تشير إلى تركيز الجهود على منع وصول المهاجرين إلى السواحل الأوروبية أكثر من معالجتها لجذور الأزمة. وقد تجسد ذلك في تكثيف مراقبة البحر المتوسط، وإعادة القوارب المنطلقة من السواحل الليبية، وتعزيز مفهوم اعتبار ليبيا نقطة الوصول الأخيرة للمهاجرين قبل أوروبا.
ويستند أصحاب هذا الرأي إلى الدعم المالي واللوجستي الذي تقدمه بعض الدول الأوروبية لحرس السواحل الليبي وبرامج مراقبة الحدود، معتبرين أن الهدف العملي لهذه السياسات يتمثل في إبقاء المهاجرين داخل الأراضي الليبية ومنع انتقالهم إلى الضفة الشمالية للمتوسط. كما يشيرون إلى أن الضغوط السياسية التي تمارسها بعض العواصم الأوروبية على السلطات القائمة في ليبيا تصب في اتجاه ترسيخ هذا الواقع وتحويل البلاد تدريجيًّا إلى منطقة احتواء دائمة لتدفقات الهجرة القادمة من إفريقيا.
وفي ظل هذه المعطيات، يبرز ملف الهجرة غير الشرعية باعتباره أحد أخطر التحديات الاقتصادية والاستراتيجية التي تواجه ليبيا اليوم. فالموارد الوطنية والبنية التحتية الحالية بالكاد تفي باحتياجات المواطنين، واستمرار تدفق أعداد كبيرة من المهاجرين واستقرار جزء متزايد منهم داخل البلاد يهدد بمضاعفة الأعباء المالية والخدمية مستقبلًا، الأمر الذي يجعل معالجة هذه القضية ضرورة وطنية ملحة تتجاوز أبعادها الأمنية والإنسانية لتصبح قضية تتعلق بالتركيبة الديموغرافية في ليبيا وبمستقبل اقتصادها واستدامة موارده واستقراره الاجتماعي.
