مقالات الرأي

ليبيا بين الانقسام والبحث عن أفق جديد


بقلم/ فرج بوخروبة
خمسة عشر عامًا مرَّت والليبيون يحلمون بوطن تُصان فيه الكرامة وتُقسَّم فيه الثروة بالعدل. خمسة عشر عامًا، وليبيا لا تزال أسيرة “حالة من الجمود السياسي المزمن”، وفق ما بات يُجمع عليه المراقبون والمحللون دون استثناء.
تعاني ليبيا اليوم من أزمة سياسية معقدة، في ظل وجود حكومتين متنافستين: الأولى في الشرق بقيادة أسامة حماد، المكلَّف من قبل مجلس النواب، والثانية في الغرب بقيادة عبد الحميد الدبيبة، الذي يرفض تسليم السلطة إلا من خلال انتخابات. ولأن كلًّا منهما يرى في نفسه الشرعية الوحيدة والحقيقة المطلقة، يجلس الوطن بينهما على أرضية المجهول.
هذا الانقسام لم يعد مجرد خلاف سياسي يمكن طيُّه بمصافحة أو حوار، بل وصل إلى كل مناحي الدولة، ويكاد لا ينجو منه أي مؤسسة. الدولة تشرذمت من القمة إلى القاع: برلمانان، حكومتان، مؤسستان مصرفيتان، وجيشان يتحدثان باسم شعب واحد لا يريد غير الخبز والأمن والغد.
من أفدح المفارقات في هذا المشهد المأساوي أن ليبيا دولة نفطية بامتياز، تجلس فوق بحر من الثروة، لكن أبناءها يعيشون على حافة الإفقار. دخل الاقتصاد الليبي عام 2026 مثقلًا بانقسام سياسي مزمن، حوَّل دور الدولة من محرك للتنمية إلى ممول للاستهلاك، وفتح الباب لفساد يستنزف الموارد ويقوِّض العملة.
الأرقام لا تكذب ولا تجامل: بند المرتبات والأجور في الموازنة العامة للدولة وصل في عام 2025 إلى 73 مليار دينار لأكثر من مليونين ونصف مليون موظف، مقارنة بـ8 مليارات دينار في عام 2010 لنحو مليون موظف. فالدولة تتضخم وظيفيًّا وتتهالك إنتاجيًّا، وتحوَّلت إلى ما يشبه آلة لتوزيع الرواتب لا لبناء المستقبل. وفي هذا السياق المرِّ، لم يتردد مبعوث الأمم المتحدة السابق إلى ليبيا غسان سلامة في التشخيص الجريء: “ما يحدث في ليبيا ليس فسادًا، بل نهب لثروات البلاد”.
تأمَّل في هذه المعادلة: ثروة سيادية ضخمة في باطن الأرض، وفقر متصاعد فوقها؛ فمن يملأ الفرق؟ تملؤه شبكات المصالح الموصولة بغرف القرار، وتملؤه صفقات السلاح والوقود والبضائع التي تمرُّ بلا حساب ولا رقيب، فيما يقف المواطن البسيط في طابور الكهرباء ويلعن الظلام.
لم تتوقف العواصم عن الحديث عن ليبيا، ولم تتوقف مؤتمراتها ومبادراتها وبياناتها. تتطلع تونس والجزائر ومصر إلى توحيد مواقفهن حول التسوية السياسية الشاملة للأزمة الليبية، عبر تمكين الليبيين من تحقيق المصالحة الوطنية وإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية. وعلى الصعيد الأممي، تطلق بعثة الأمم المتحدة في ليبيا ما تسميه “الحوار المهيكل” كجزء من خارطة طريق جديدة تهدف إلى تهيئة الظروف للانتخابات.
لكن الإشكال ليس في غياب المبادرات، فالمبادرات موفورة وكثيرة. الإشكال هو في حقيقة كاشفة أطلقها باحث سياسي بصدق نادر: “رغم الخطاب الداعم، يبدو المجتمع الدولي غير جاد بما يكفي لتمكين ليبيا من التعافي الكامل، إذ تُدار الأزمة بمنطق الاحتواء لا الحل، وتُقدَّم المصالح والتوازنات على بناء دولة مستقرة ذات سيادة فعلية”. وهذا هو جوهر المأساة: ليبيا ليست أزمة تبحث العواصم الكبرى عن حلها، بل هي “ملفٌّ” تديره تلك العواصم وفق مصالحها في النفط والجيوسياسة والهجرة. همُّ التدخلات الخارجية الأساسي هو الحفاظ على مصالح الدول المنخرطة في الشأن الليبي، خصوصًا ما يتصل بالطاقة والفضاء الجيوسياسي والجيواستراتيجي الليبي، تحت عناوين مبتذلة، منها إعادة إطلاق مسار التسوية الشاملة. فأيُّ تسوية تلك التي يصنعها من يرى في استمرار الأزمة فرصة لا مشكلة؟
الانقسام السياسي في قمة السلطة لم يظل في غرف المفاوضات، بل تسرَّب إلى الشارع وإلى عقول الناس وقلوبهم. واصل كيانان متنافسان تنازُع السيطرة على أراضي ليبيا ومواردها وشرعيتها الدولية وسط الانقسامات السياسية العميقة، والقمع المتصاعد، والمواجهات المسلحة. وهكذا صار الليبي مطالَبًا باختيار فسطاطه قبل أن يختار مستقبله؛ فإما “شرقي” وإما “غربي”، وإما مع هذه الحكومة أو تلك، وإما مع هذا الجسم أو ذاك. وفي هذه الثنائية الزائفة التي يراد لها أن تكون مصيرًا، يضيع الوطن المشترك الذي يجمع الجميع.
في رأي أحد أساتذة العلوم السياسية بالجامعات الليبية، فإن ليبيا تشهد “عرقلة حقيقية” للمسار الانتخابي من أطراف داخل البلاد. وعندما يعرقل الفاعلون السياسيون مسار الانتخابات، فإنهم في الحقيقة يعرقلون الإرادة الشعبية، ويسرقون من المواطن حقه في أن يقول كلمته ويحدد مصيره.
يا أبناء ليبيا في الشرق والغرب والجنوب، في طرابلس وبنغازي وسبها ومصراتة والزنتان والجفرة وكل شبر من هذه الأرض: لستم رهائن هذا الانقسام إلى الأبد، ولستم مضطرين للاختيار بين سيئ وأسوأ، وليس مكتوبًا عليكم أن تنتظروا إذنًا من جنيف أو روما أو القاهرة كي تعيشوا في وطن واحد.
ثمة سيناريوهات ثلاثة ماثلة أمام ليبيا: إما انتخابات تُنتج شرعية موحدة، أو اقتراع منقوص يزيد الانقسام، أو تأجيل جديد تحت عناوين توافقية. السيناريو الأول لن يتحقق وحده، ولن تهبطه طائرات الأمم المتحدة، ولن يوقِّعه دبلوماسيون في فندق فاخر. السيناريو الأول يصنعه الليبيون حين يقررون بشجاعة ومسؤولية أن الوطن أكبر من أي طرف فيه، وأن الأجيال القادمة لن تغفر لهم إذا أضاعوا هذه الفرصة.
الحوار الليبي-الليبي الحقيقي ليس ضعفًا، بل هو أعلى درجات الشجاعة الوطنية، لأن من يجلس مع خصمه يعترف ضمنيًّا بأن الوطن يعلو على خلافه، وأن المستقبل أثمن من الانتصار على أخيه.
ليبيا ليست الأزمة، وليبيا ليست الانقسام، وليبيا ليست الفوضى؛ ليبيا هي الطفل الذي ينتظر مدرسة تستقبله، والشاب الذي يبحث عن فرصة عمل، والمريض الذي ينتظر دواءً في مستشفى مهترئ، والعجوز الذي يتمنى أن يرى وطنه يقف على قدميه قبل أن تغمض عيناه.
ليبيا تستحق دولة واحدة لا دولتين، وشرعية واحدة لا شرعيتين، وشعبًا يلتقي في صناديق الاقتراع لا في ميادين الاقتتال. الساعة لا تنتظر، والتاريخ لا يرحم من يتأخر. فهل يدرك الليبيون، قبل فوات الأوان، أن المعركة الحقيقية ليست بين الشرق والغرب، بل بين الماضي الذي يريد أن يبتلعهم والمستقبل الذي ينتظرهم بشرط واحد فقط: أن يختاروه معًا.

زر الذهاب إلى الأعلى