مقالات الرأي

القانون الإداري الليبي.. تساؤلات مشروعة!


بقلم/ عبدالمجيد قاسم
القانون الإداري، وهو الذي يحكم العلاقة بين الأفراد الطبيعيين والدولة، لا يقوم على نصٍّ مجرد، ولا على تطبيقٍ منفلت، ولا على قضاءٍ معزول، بل هو بناءٌ يقوم على ثلاث دعائم متلازمة: دعامة النص، ودعامة التطبيق، ودعامة جهة الفصل في الخصومات، وكل دعامة من هذه الدعائم ليست على استقامةٍ تامة، بل تعتورها إشكاليات جديرة بالنظر والتأمل.
فأما دعامة النص، فإن نصوص القانون الإداري لا يمكن حصرها، بل تمتد لتشمل كل نص تكون الإدارة طرفًا فيه، فهي – بهذا الاعتبار – متشعبة، متكاثرة، لعل من أبرزها قانون علاقات العمل رقم (12) لسنة 2010م.
وهذا القانون – من حيث الفلسفة – مثَّل انتقالًا مهمًّا من فكرة السلطة شبه المطلقة للإدارة تجاه موظفيها، إلى فكرة أقرب إلى التوازن بين طرفي العلاقة، غير أن السؤال الذي يفرض نفسه:
هل تجسدت هذه الفلسفة على أرض الواقع، أم أن روح القوانين السابقة، وعلى رأسها قانون الخدمة المدنية، لا تزال حاضرة في التطبيق، بحيث بقيت العلاقة – في حقيقتها – أقرب إلى علاقة سلطة لا علاقة توازن؟
والذي يظهر أن المشرّعِ، وإن وحَّد الإطار النظري لعلاقات العمل، بجعلها جميعًا في بوتقة واحدة، إلا أن هذا التوحيد لم يجد ما يصدِّقه عمليًا؛ إذ لم يكن التعديل الذي أدى إلى الدمج مصحوبًا بإعادة نظر شاملة في بقية المنظومة القانونية.
فالفلسفة الجديدة كانت تقتضي – ولكي تتحقق على أرض الواقع – تعديل جملة من القوانين ذات الصلة، وفي مقدمتها قانون القضاء الإداري رقم (88) لسنة 1971م، وهو ما لم يقع.
وأما دعامة التطبيق، فمناطها الإدارة ذاتها، بوصفها الجهة التي تنـزل النصوص على الوقائع، غير أن الإشكال هنا يبرز في تلك الحالات التي لا تتصرف فيها الإدارة بوصفها سلطة عامة، بل تنزل منزلة الأفراد، فتكون طرفًا في علاقة لا يغلب عليها طابع الامتياز العام، وهنا يثور التساؤل: من الذي يملك تحديد هذه الحالات؟
قد يقال: إن القضاء هو الذي يجيب عن ذلك بتطبيقاته، وهذا صحيح، لكنه لا يكون إلا بعد نشوء الخصومة، أما قبل ذلك، فهل يُترك الأمر لتقدير الإدارة نفسها؟ وهل يُطمأن إلى هذا التقدير، وهي طرف في العلاقة؟ هنا تكمن الإشكالية الحقيقية، بين ضرورة المرونة، وخشية الانحراف في التكييف.
وأما دعامة جهة الفصل في الخصومات، فهي بدورها لا تخلو من اضطراب، فثمّة مسائل يجوز أن تُعرض على القضاء الإداري، كما يجوز أن تُعرض على القضاء العادي، فقضايا التعويض عن الضرر المترتب على القرار الإداري يجوز رفعها ابتداء إلى القضاء الإداري، ويجوز ذلك كذلك ابتداء أمام القضاء المدني، لكن الضابط في ذلك يظل هو النص، لا الفلسفة التي تقف وراءه.
ومن هنا يثور التساؤل: ما الأساس الذي يُبنى عليه هذا التخيير؟ ولماذا يُترك دون تأصيلٍ واضح يرفع عنه التردد؟
ثم إذا عدنا إلى قانون علاقات العمل، عاد السؤال بصورة أكثر إلحاحًا: لماذا يستمر الاختصاص للقضاء الإداري بنظر المنازعات المتعلقة بالوظيفة العامة، رغم أن المشرِّع قد اتجه – نظريًّا – إلى توحيد علاقات العمل؟
وبعبارة أوضح: ما مبرر التفريق في جهة الفصل في المنازعات بين الموظف والعامل، مع أن القانون الذي يحكم العلاقة – في الأصل – واحد؟
تلك – في الجملة – دعائم ثلاث، يقوم عليها القانون الإداري، وفي كل دعامة منها مواضع نظر، وتساؤلات لا تزال تبحث عن جواب، والحديث – كما يقال – ذو شجون.

زر الذهاب إلى الأعلى