مقالات الرأي

“الصادقة اسبقت”.. حين صار عيد الأضحى عند بعض الليبيين عيدَ اللحم


بقلم /محمد بوخروبة
“الصادقة اسبقت”.. مثل ليبي قديم يحمل من الحكمة ما يعجز عن حمله كثير من الخطب والمواعظ، ومعناه أن الحقيقة كثيرًا ما تسبق التنظير، وأن العامة قد تختصر بعبارة عفوية واقعًا كاملًا يحتاج إلى صفحات من الشرح والتحليل، ولعل من أصدق ما قيل في توصيف واقعنا اليوم ذلك الاسم الذي يتداوله بعض الليبيين على سبيل المزاح عيد اللحم، وهو مزاح يبدو في ظاهره خفيفًا، لكنه في حقيقته مرآة تعكس تحولًا خطيرًا في فهم واحدة من أعظم المناسبات الدينية في الإسلام.
لقد أصبح كثيرون يتحدثون عن عيد الأضحى كما لو أنه موسم استهلاك غذائي لا شعيرة إيمانية، ومناسبة لعرض المقدرة المالية لا محطة للتقرب إلى الله، وفرصة للتفاخر بالصور والأطباق أكثر من كونه عيدًا للتضحية والامتثال والتكافل..
حين نتأمل الخطاب السائد قبل العيد بأيام، لا نكاد نسمع حديثًا عن معاني الفداء والطاعة والصبر التي جسدها سيدنا إبراهيم عليه السلام، ولا عن قيمة البذل والإيثار التي تمثل جوهر الأضحية، كل ما يتصدر المجالس ووسائل التواصل هو أسعار الخراف، وأوزانها، وسلالاتها، وكيفية شيها، وأفضل طرق إعداد الكبدة والرئة والرأس والمقادم والمواخر، وكأن العيد كله قد انكمش حتى صار محصورًا بين المسلخ والموقد.
ليس العيب في الفرح باللحم، فاللحم نعمة من نعم الله، والشرع لم يمنع الاستمتاع بها، بل جعل الأكل من الأضحية جزءًا من الشعيرة. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى غاية، ويصبح اللحم هو الرسالة الوحيدة التي بقيت من العيد، بينما تتوارى المعاني الكبرى خلف دخان المشاوي وصخب الولائم.
لقد دخلت ثقافة الاستعراض على العيد من أوسع أبوابه. فبعد أن كانت الأضحية رمزًا للعبادة، أصبحت عند البعض رمزًا للمكانة الاجتماعية، تنشر الصور قبل الذبح وبعده، وتعرض الأحجام والأوزان كما تعرض الجوائز. وتتحول بعض الصفحات إلى معارض مفتوحة للتفاخر، يتبارى فيها الناس في إظهار ما اشتروا وما أكلوا وما أنفقوا، ولم يعد السؤال: كيف أديت الشعيرة، بل كم بلغ وزن الخروف؟ وما نوعه؟ وكم كلفك؟
وهكذا تسللت قيم السوق إلى مساحة العبادة، فصار التقييم قائمًا على المظهر لا الجوهر، وعلى الثمن لا المعنى.
والأخطر من ذلك أن هذه المظاهر خلقت ضغوطًا اجتماعية هائلة على الأسر محدودة الدخل، فكم من أب استدان فوق طاقته ليشتري أضحية لا يستطيع تحمل تكلفتها خوفًا من كلام الناس، وكم من أسرة دخلت في أزمات مالية طويلة بسبب سباق اجتماعي لا ينتهي، لقد تحولت شعيرة يفترض أن تزرع الطمأنينة إلى مصدر قلق لكثيرين، لا لشيء إلا لأن المجتمع بالغ في ربط قيمة الإنسان بما يملكه لا بما يكونه.
وفي خضم هذا كله تراجعت قيمة التكافل التي تمثل أحد أهم مقاصد الأضحية، فاللحم الذي كان وسيلة لإدخال الفرح على الفقراء والمحتاجين أصبح أحيانًا محصورًا في دائرة ضيقة من الأقارب والأصدقاء القادرين أصلًا على شرائه. وغابت عن بعض الناس صورة المحتاج الذي ينتظر نصيبه من هذه الشعيرة، وحل محلها هاجس التخزين والتفاخر والاستهلاك المفرط.
إن عيد الأضحى لم يشرع ليكون مهرجانًا للشواء، ولا مناسبة للتباهي، ولا موسمًا لقياس الفوارق بين الناس، لقد شرع ليذكر الإنسان بأن الطاعة أعلى من الرغبة، وأن الامتثال لأمر الله فوق كل اعتبار، وأن التضحية الحقيقية تبدأ من القلب قبل أن تصل إلى السكين.
وإذا كان بعض الليبيين قد أطلقوا على العيد اسم عيد اللحم، فإن هذه التسمية الساخرة يجب أن تدفعنا إلى مراجعة أنفسنا لا إلى الضحك فقط، لأن النكتة الشعبية كثيرًا ما تكون تقريرًا دقيقًا للواقع، فالناس حين يختزلون العيد في اللحم إنما يصفون ما يرونه بأعينهم، اهتمامًا مبالغًا فيه بالمظاهر، وانشغالًا بالتفاصيل الاستهلاكية، وتراجعًا للبعد الروحي والأخلاقي.
نحن بحاجة إلى استعادة المعنى قبل المظهر، والروح قبل العادة، والعبادة قبل الاستهلاك، بحاجة إلى أن نربي أبناءنا على أن قيمة الأضحية ليست في حجمها، بل في مقصدها، وليس في سعرها، بل في رمزيتها. بحاجة إلى أن نتذكر أن الدم الذي يسيل ليس هو المقصود لذاته، وأن اللحم الذي يؤكل ليس الغاية النهائية، وإنما المقصود هو ما يتركه ذلك كله في النفس من خشوع وتقوى وشعور بالمسؤولية تجاه الآخرين.
لقد صدقت الحكمة الشعبية حين قالت بطريقتها البسيطة ما عجز كثيرون عن قوله مباشرة، نعم، “الصادقة اسبقت”.. فحين أصبح الناس يسمون عيد الأضحى عيد اللحم، فإنهم لم يكونوا يطلقون مجرد دعابة عابرة، بل كانوا يقرعون جرس إنذار أخلاقيًّا وثقافيًّا، إنهم يلفتون انتباهنا إلى خطر تحويل الشعائر إلى عادات، والعبادات إلى مناسبات استهلاكية، والقيم إلى مظاهر فارغة.
وسيظل السؤال مطروحًا علينا جميعًا: هل نريد عيدًا يملأ البطون فقط، أم عيدًا يحيي القلوب أيضًا؟ ذلك هو الفارق بين عيد الأضحى كما أراده الله، وعيد اللحم كما صنعته أهواؤنا وعاداتنا.

زر الذهاب إلى الأعلى