نبض التضامن

بقلم /محمد علوش
في عالم تتعمَّق فيه اختلالات النظام الرأسمالي العالمي، وتتسع فيه الهوة بين قوى الهيمنة ومجتمعات الجنوب العالمي، تبرز الحاجة إلى استعادة الوعي الأممي بوصفه إطارًا لفهم الصراع الدولي باعتباره صراعًا بين مشاريع السيطرة ومشاريع التحرر، لا مجرد تنافس بين كيانات متساوية في الفرص أو النفوذ.
في هذا السياق، تمثل تجربة كوبا نموذجًا بارزًا لصمود الشعوب في مواجهة واحدة من أطول سياسات الحصار الاقتصادي والسياسي في العصر الحديث، التي تفرضها الولايات المتحدة الأمريكية منذ أكثر من ستة عقود، وهذا الحصار لم يكن مجرد إجراء عقابي، بل منظومة متكاملة من القيود التي تستهدف البنية الاقتصادية والاجتماعية للدولة الكوبية، عبر تقييد الوصول إلى الدواء والتكنولوجيا والتمويل والأسواق العالمية، بما ينعكس مباشرة على حياة المواطنين اليومية.
إن جوهر هذا الحصار يعكس منطق السيطرة في البنية الرأسمالية العالمية، حيث تستخدم الأدوات الاقتصادية والمالية والتقنية كوسائل ضغط سياسي لإعادة تشكيل خيارات الدول وإخضاع إرادتها، ومع ذلك، فإن كوبا لم تنكسر أمام هذا الطوق الممتد، بل واصلت الحفاظ على اختياراتها السيادية التي تبلورت منذ انطلاق الثورة الكوبية بقيادة الزعيم فيدل كاسترو، وظلت متمسكة بمشروعها الاجتماعي الاشتراكي رغم كل التحديات.
إن الموقف اليوم يقوم على رفض العقوبات الأحادية بوصفها شكلًا من أشكال العقاب الجماعي، وعلى التأكيد أن حق الشعوب في تقرير مصيرها حق أصيل وغير قابل للتصرف، فالشعب الكوبي ليس موضوع وصاية خارجية، بل فاعل تاريخي مستقل يحدد مساره السياسي والاجتماعي والاقتصادي بإرادته الحرة.
ومن هذا المنظور، فإن التضامن مع كوبا يتجاوز التعاطف السياسي ليصبح موقفًا مبدئيًّا ضد كل أشكال الهيمنة والتدخل الخارجي، وإدانة واضحة لسياسات الحصار التي تستهدف إرادة الشعوب، كما أن الدفاع عن كوبا هو دفاع عن مبدأ السيادة الشعبية في مواجهة منظومة دولية غير متكافئة، تكرِّس الفوارق بدل أن تقلصها.
ورغم الضغوط الهائلة، استطاعت التجربة الكوبية تحقيق إنجازات معتبرة في مجالات التعليم والصحة والبحث العلمي، ما جعلها حالة استثنائية في محيط عالمي غير عادل، حيث تقاس قوة الدول غالبًا بقدرتها على فرض شروطها لا بمدى التزامها بحقوق الإنسان والتنمية العادلة.
لا يمكن عزل النضال الكوبي عن نضالات الشعوب الأخرى، وفي مقدمتها نضال الشعب الفلسطيني الذي يواجه منظومة مركبة من الاحتلال والاستيطان والحصار، وإن دولة فلسطين تمثل بدورها تعبيرًا عن حق شعب في تقرير مصيره في مواجهة نظام قوة عالمي غير متوازن، ما يجعل تقاطع النضالات بين الشعوب ضرورة تاريخية وليست خيارًا سياسيًّا.
إن ما يسمى بالعولمة، في بنيته القائمة، لا يقدم نموذجًا محايدًا للتكامل الإنساني، بل يعيد إنتاج علاقات الهيمنة بصيغ جديدة أكثر تعقيدًا، ومن هنا، يصبح التضامن الأممي فعلًا مقاومًا يسعى إلى بناء وعي جمعي يرى في كل تجربة تحرر جزءًا من حركة عالمية واحدة ضد السيطرة والاستغلال.
وعليه، فإن إنهاء الحصار المفروض على كوبا يشكل ضرورة إنسانية وسياسية وقانونية، ويتطلب تفكيك منظومة العقوبات القسرية الأحادية، وإعادة بناء العلاقات الدولية على أساس المساواة الكاملة واحترام سيادة الدول وحق الشعوب في اختيار مساراتها.
إن التضامن الأممي الحقيقي هو ذاك الذي ينحاز إلى الشعوب في مواجهة مراكز القوة، ويؤمن بأن حرية كوبا، كما حرية فلسطين وسائر الشعوب المضطهدة، ليست قضايا منفصلة، بل حلقات في مسار تاريخي واحد نحو عالم أكثر عدالة وإنسانية.
