مقالات الرأي

نهوض ليبيا بالقوة الناعمة (التعليم، القضاء، الإعلام)الجزء الأول


بقلم/ محمد عبد القادر
يُروى أن ونستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، سأل عن المؤسسات التي ما زالت تعمل بكفاءة وسط الغارات الألمانية، فقيل له: “التعليم، والقضاء، والإعلام”، فرد قائلًا: “نستطيع أن نعبر إلى النصر”. من هنا يتضح أن لكل أمة تسعى إلى النهضة ركائز تُعرف بـ “القوة الناعمة”، وهي القدرة على تحقيق أهداف الدولة بالاستمالة والإقناع والجذب، لا بالإكراه العسكري؛ وتتجسد تاريخيًّا في هذه القطاعات الثلاثة كدعائم هيكلية لبناء واستقرار أي دولة.
هذا المفهوم يضعنا أمام سؤال جوهري: لماذا يتفوق الليبيون علميًّا ومهنيًّا في الخارج، بينما يعجزون عن ذلك داخل وطنهم؟ الإجابة ببساطة: إن أزمتنا ليست في غياب الكفاءات، بل في انعدام البيئة الصالحة والجاذبة لعملها.
واقع الدولة والتشويه الجيوسياسي: ما تشهده ليبيا في العقد الأخير من تحديات أمنية واقتصادية وسياسية يعكس واقعًا إقليميًّا تحولت فيه الدول إلى هياكل مجوفة فاقدة للمقومات السيادية. هذا الواقع ليس وليد الصدفة، بل هو نتاج “إعادة هندسة” خارجية؛ بدأت بعد الحرب العالمية الثانية بالنفوذ البريطاني الفرنسي لتقاسم السيطرة، وصولًا إلى “الهندسة الثانية” المبنية على مخططات المستشرق “برنارد لويس” التي اعتمدها الكونغرس عام 1983، ونُفذت عمليًّا باحتلال العراق عام 2003 بذرائع واهية، لتتمدد لاحقًا في المنطقة ومنها ليبيا، والنتيجة هي تجريف بنية الدول وتحويلها إلى كيانات هشَّة ترتبط سيادتها بالخارج.
معضلة البيئة الطاردة للكفاءات: لكن هذا الوضع ليس قدرًا محتومًا؛ فإعادة بناء الدولة تتطلب نظامًا يستند إلى قيم المواطنة والمؤسساتية.
تمتلك ليبيا مخزونًا بشريًّا ونخبًا تراكمت خبراتها على مدى 72 عامًا، وتجلى معدن الشعب وتلاحمه في مواجهة كارثة فيضانات درنة، كأبلغ درس يمكن استثماره للنهوض. غير أن العائق الأكبر محليًّا هو اصطدام الكفاءات بحواجز البيروقراطية، والمحسوبية، وضبابية القوانين، وسيادة القبلية والمناطقية. فبينما تعمل المؤسسات في الدول المتقدمة كآلة منظمة ترتبط باللوائح، ترتبط في ليبيا بالأشخاص؛ ما يضطر الكادر المحلي إلى استهلاك 70% من جهده في تجاوز العقبات الإدارية والبحث عن الأمان، بدلًا من الإبداع. وفي المقابل، تحظى الكفاءات في الخارج بظروف مهنية مثالية، بينما يواجه المبدع في الداخل أزمات نقص السيولة وتذبذب الخدمات والقلق الأمني.
إن آلاف الأطباء والعلماء الليبيين الناجحين في بريطانيا وأمريكا، كانوا سيقبعون خلف مكاتبهم في طرابلس أو بنغازي دون أن يسمع بهم أحد بسبب “بيئة العمل المتخلفة”.
خارطة الطريق نحو النهضة: ليبيا لا تحتاج إلى استيراد خبراء أجانب؛ فالليبيون أدرى بظروف مجتمعهم، لكن “عقدة الخواجة” وتعظيم الخبير الغربي ما زالا راسخين نتيجة الهيمنة الطويلة.
ما نحتاجه حقًّا هو “توطين بيئة العمل الناجحة” أسوة بتجربة جنوب شرق آسيا، وهو ما يفرض استحقاقات عاجلة:
تشريعات حازمة: لحماية الكفاءات وضمان الترقيات بناءً على الاستحقاق لا المحسوبية.
الرقمنة الشاملة: للقضاء على الفساد الإداري والبيروقراطية.
إرادة سياسية وطنية: يقودها التكنوقراط والمثقفون الحقيقيون، بعيدًا عن تجارب لا تناسب بيئتنا، بحيث تكون هذه القيادة إفرازًا ديمقراطيًّا نابعًا من الداخل لا إفرازًا دوليًّا يخدم القوى المهيمنة.
إن صناعة البيئة المؤسسية وتوفير الفرصة هما السبيل الوحيد لترجمة قوتنا الناعمة إلى نهضة تسترد بها ليبيا سيادتها وكرامتها.

زر الذهاب إلى الأعلى