مقالات الرأي

التقاعد بين الحق والتعويض


بقلم/ غادة الصيد
يعدُّ المعاش التقاعدي أحد أهم تطبيقات مبدأ الضمان الاجتماعي، باعتباره حقًّا مكتسبًا لا يقوم على التفضل أو المنحة، بل يثبت بمجرد توافر شروط الاستحقاق القانونية المنصوص عليها في قانون الضمان الاجتماعي رقم، (13) لسنة 80، واللائحة التنفيذية المنظمة له رقم (669)، لسنة 81، فقد أولى المشرع عناية خاصة بالحقوق التقاعدية، من حيث تنظيم شروط الاستحقاق، وآليات الصرف بما يضمن للمنتفعين الحصول على معاشاتهم في وقت مناسب يحقق الغاية الاجتماعية من هذا النظام، وهي تأمين دخل مستقر للمتقاعد بعد انتهاء خدمته، ولهذا تنص القواعد العامة في قانون الضمان الاجتماعي على أن الجهة المختصة ملزمة بفحص وتسوية ملفات المتقاعدين خلال آجال معقولة، وهذا يعني أن المشرع لم يهدف فقط إلى إقرار الحق في المعاش، بل إلى ضمان فاعليته الزمنية، لأن قيمة الحق الاجتماعي تفقد جزءًا كبيرًا من مضمونها إذا تأخر صرفه دون مبرر مشروع، لأن من المبادئ المستقرة في القضاء الإداري أن مسؤولية الإدارة تقوم متى توافرت أركانها الثلاثة. الخطأ والضرر وعلاقة السببية.
ويعد التأخير غير مبرر في تسوية الملفات الإدارية، ومنها الملفات التقاعدية، صورة من صورة الخطأ الإداري إذا لم يستند إلى سبب قانوني أو ظرف قهري. فإذا كان المتقاعد قد استوفى جميع الشروط القانونية وقدم المستندات المطلوبة، فإن استمرار التأخير لفترة طويلة دون مسوغ مشروع قد يشكل انحرافًا في أداء المرفق العام عن واجب الانتظام والسرعة في تقديم الخدمة.
ولا يقتصر الضرر الناجم عن تأخير تسوية المعاش على الجانب المالي المتمثل في حرمان المتقاعد من دخله المستحق، بل يتجاوز ذلك إلى أضرار اجتماعية ومعيشية، مثل الاستدانة، وتعطل الالتزامات الأسرية، والضغط النفسي الناتج عن عدم الاستقرار المالي، وفي هذا السياق لا يعد صرف الفروقات المالية لاحقًا كافيًا دائمًا لجبر كافة الأضرار خصوصًا إذا تبث أن المتضرر تكبد خسائر إضافية نتيجة التأخير غير المبرر. صحيح أن الأنظمة المنظمة للضمان الاجتماعي تقضي بصرف المستحقات بأثر رجعي عند التسوية، إلا أن هذا لا ينفي -من حيث المبدأ- إمكانية المطالبة بالتعويض المستقل إذا تبث وجود خطأ إداري منفصل عن مجرد التأخير الحسابي ترتب عليه ضرر محقق، وهنا يبرز دور القضاء الإداري في تحقيق التوازن بين حماية المال العام من جهة وضمان جبر أضرار الأفراد من جهة أخرى وفقًا لمبدأ أن “الضرر يجب أن يجبر متى ثبتت مسؤوليته”.
إن تأخير تسوية الملف التقاعدي ليس مسألة إجرائية، بل قد يتحول إلى إشكال قانوني يمس جوهر الحق الاجتماعي في الضمان، فالمعاش التقاعدي لا يكتمل معناه إلا بفاعليته الزمنية، أي بصرفه في وقته دون تأخير غير مبرر، ومن ثم يبقى السؤال مطروحًا في ضوء المبادئ القانونية المستقرة: هل يكفي صرف المستحقات المتأخرة لجبر الضرب أم أن التأخير غير المشروع في حد ذاته يفتح الباب أمام تعويض مستقل يعيد التوازن للحق الممسوس؟

زر الذهاب إلى الأعلى