عبد الناصر: أيقونة التاريخ ومجد الشعوب في جغرافيا الحرية

بقلم/ محمد نبيغ
(بيان في أنطولوجيا الكرامة وفلسفة الانبعاث العربي)
اللحظة التي نطق فيها القدر بالعربية: لم يكن جمال عبد الناصر مجرد حاكمٍ عابرٍ استوطن برهةً من الزمن في جغرافيا مضطربة، أو مجرد ضابطٍ أحدث ثقبًا في جدار الصمت الملكي، بل كان اللحظة القدسية التي قرر فيها القدر أن يتكلم بالعربية بعد صمتٍ جنائزيّ طال قرونًا تحت وطأة التهميش.
هو الكائن الأنطولوجي الذي انبعث من “مأزق الطمي” في ريف مصر المتعب، ليصعد في معراج الكبرياء حتى صار تاجًا للفكر يتربع فوق رؤوس أحرار العالم قاطبة. ناصر لم يقد ثورةً قطريةً منغلقة، بل فجّر انفجارًا سوسيولوجيًا زلزل أركان المنظومة الإمبريالية، وأعاد ترتيب طبقات الأرض السياسية، ليتحول في الوعي الإنساني إلى نقطة ارتكاز كونية تدور حولها أحلام المستضعفين، كأنه الفجر الذي طال انتظاره في ليل الشعوب الطويل.
سوسيولوجيا الطمي.. تجسُّد الأمة في كينونة “الهرم الثامن”: انبثق ناصر من أنطولوجيا الأرض الأولى، ففي سحنة وجهه السمراء سكن صمت مصر المتعفف وصبرها الأزلي الممتد من عمق الأسرات إلى أنين الفلاح المعاصر. لم تكن وشيجته بالجماهير مجرد عقدٍ سياسيّ، بل كانت انصهارًا وجوديًا؛ ناصر هو الذي فكك شيفرة العبودية الكامنة في اللاوعي الجمعي، وحوّل البذلة العسكرية من أداة للقمع الطبقي إلى محراثٍ للعدالة الاجتماعية يغرس بذور الأمل في القلوب الظمأى. لقد أدرك، بسوسيولوجيته الفطرية التي تضاهي استبصارات ابن خلدون، أن كرامة الأوطان لا تُبنى فوق الهامات المنكسرة، بل تنبثق من “فلسفة الطين” التي استعادت للفلاح ظلّه المسلوب، معلنًا بملء الصدى أن الجغرافيا لم تعد سجنًا استعماريًّا، بل منصةً للوثوب نحو مدارات النجوم.
“السد العالي”.. ميثاقٌ ضدَّ العطش الفكري ومجاعة الكرامة: حين وضع ناصر حجر الأساس للسد العالي، لم يكن في وجدانه مجرد بناء هندسي، بل كان ميثاقًا غليظًا ضد عطش الروح وجفاف الإرادة القومية. شيد ناصر السد ليحمي الأرض من نزوات النيل، لكنه شيد في العقول سدًّا منيعًا ضد التبعية والمهانة. كان السد هو الهرم الحي الذي يطعم البشر قبل أن يسكن في ذاكرة الحجر، والرد العملي على غطرسة القوى المانحة، مجسدًا فلسفته الخالدة: “إننا نريد أن نأكل مما نزرع، وأن نلبس مما نصنع”. هذا السد لم يكن لتخزين المياه فحسب، بل لتخزين الكبرياء الوطني، ليكون شاهدًا أزليًّا على أن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.
هادم الإمبراطوريات.. حين غابت الشمس ولم يعد يُرى الهلال: بإرادةٍ من فولاذ، وقف ناصر وحيدًا ليهدم صرح أكبر إمبراطوريتين عرفهما العصر الحديث؛ بريطانيا التي كان يُقال إن الشمس لا تغيب عنها، وفرنسا التي استباحت دماء الأحرار.
بضربة ناصر العبقرية في السويس، تهاوت العروش العتيقة وتداعت أركان الاستعمار التقليدي. لقد طارد ناصر الاستعمار في كل زاوية، حتى لم يعد يُرى الهلال الإمبراطوري القديم في سماء الشرق؛ فقد أشرقت شمس العروبة لتطوي زمن “الرجل المريض” والمستعمر المتغطرس معًا، مرددًا صرخته التي هزت أركان الوجود: “ارفع رأسك يا أخي.. فقد مضى عهد الاستعباد”.
تاج الفكر العابر للمجرات السياسية.. جغرافيا الحرية: تجاوز ناصر حدود الوظيفة السياسية ليصبح أيقونةً عقليةً سكنت أخيلة الشباب من بلفاست إلى هافانا. لقد استوى تاج الناصرية فوق رؤوس ثوار أمريكا اللاتينية، فكان صدى هدير النيل يتردد في جبال الأنديز كبشارة للانعتاق الكوني. ومن ضفاف النيل، مدّ ناصر شرايين الكرامة لتغذي عروق القارة السمراء، فكان صوتًا للومومبا في الكونغو، ونورًا لمانديلا في كيب تاون، وشريان حياة لثورة الجزائر. من باندونغ عام 1955، حوّل ناصر “عدم الانحياز” من تكتلٍ سياسي إلى فضاء وجودي ثالث يرفض التبعية، مؤمنًا بأن الحرية كلٌّ لا يتجزأ.
العناق الكوني.. الرجل الذي تربع على عرش “نصف العالم”: هذا الحضور الكاريزمي هو ما دفع الدوائر الغربية للارتجاف حين سجل التاريخ عبارته الشهيرة: “إن جمال عبد الناصر يحكم نصف العالم”. لم يكن يحكمهم بالدبابات، بل بالهيمنة الروحية (Spiritual Hegemony) والجاذبية الأخلاقية التي جعلت منه ملهمًا لكل طالب يتمرد في باريس عام 1968، ولكل مقاتل في فيتنام. بنى القوة ليكون الحق مهابًا، وصاغ “الميثاق” ليكون للثورة منهج، مؤكدًا أن الحق بغير قوة تحميه هو حق باطل، فجعل من مصر قلبًا ينبض لكرامة كل إنسان على وجه الأرض.
