واشنطن ترسم ملامح ليبيا: قراءة في مبادرة مسعد بولس “الجزء الثاني والأخير”

بقلم / فرج بوخروبة:
ومع ذلك، فإن الرهان على “الضغط الفعلي” الذي قد تمارسه واشنطن يظل محفوفًا بالمخاطر والتساؤلات حول الأدوات المتاحة. فالتاريخ القريب للتدخلات الدولية يعلمنا أن القوى المحلية الليبية تجيد ببراعة اللعب على “التناقضات الدولية”؛ فحين تشتد الضغوط من عاصمة غربية، تبحث هذه القوى عن ملاذات سياسية أو عسكرية لدى قوى إقليمية أو دولية منافسة لفتح خطوط تفاوض موازية. هذا التوازن الهش هو ما تسعى المبادرة الأمريكية لكسره عبر تقديم “عرض إستراتيجي” متكامل: الاعتراف الدولي الكامل والدعم الاقتصادي الواسع مقابل التنازل عن الحصون الفئوية لصالح الدولة الموحدة.
لكن هذا العرض يصطدم بحقيقة أن “الدولة” في الذهنية السياسية السائدة حاليًا لا تزال مفهومًا غائبًا خلف بريق السلطة والموارد، مما يجعل المهمة الأمريكية محاولة شاقة لإعادة تعريف العقد الاجتماعي والسياسي في بيئة تفتقر إلى أدنى مستويات الثقة المتبادلة بين الفرقاء الذين اعتادوا تقاسم الأزمات لا حلها.
علاوة على ذلك، يجب ألا نغفل البعد الاقتصادي الحيوي في هذه المبادرة؛ فليبيا تمثل حجر زاوية في معادلة الطاقة لمنطقة حوض المتوسط وأوروبا. الولايات المتحدة تدرك أن استقرار الإنتاج النفطي الليبي وزيادة معدلاته يتطلبان بيئة سياسية موحدة وبعيدة عن الابتزاز السياسي الذي مارسته بعض الأطراف عبر إغلاق الحقول والموانئ لانتزاع مكاسب فئوية.
لذا، فإن المبادرة الأمريكية تسعى إلى تأمين “استقلال مالي” للمؤسسات السيادية الليبية، يضمن توزيعًا عادلًا للثروة يقلل من حدة التوتر الجهوي والمناطقي، ويجعل من النفط وسيلة للبناء الوطني لا أداة للصراع والتمويل الموازي. هذا المسار الاقتصادي هو “الجزرة” التي تقدمها واشنطن، بينما تبقى “العصا” متمثلة في العزل السياسي الدولي لمن يعرقل هذا المسار الحيوي للاقتصاد العالمي.
إن ما يميز هذه المبادرة عن سابقاتها هو توقيتها الحساس وارتباطها المباشر بالبيت الأبيض عبر مبعوث يمتلك فهمًا عميقًا لتركيبة المنطقة وعلاقاتها المتشعبة، ما يمنحها صبغة الفرصة التاريخية قبل الدخول في مرحلة قد تكون أكثر قتامة وتدويلًا.
واشنطن تستخدم هنا ثقلها الدبلوماسي لترجيح كفة الاستقرار الإستراتيجي على حساب المصالح الضيقة، وهي مقامرة كبرى تضع هيبة الدبلوماسية الأمريكية على المحك. فإما أن تنجح في صياغة واقع ليبي جديد ينهي مرحلة التيه السياسي التي دامت لأكثر من عقد، وإما أن تكتشف أن “الرمال الليبية المتحركة” قادرة على ابتلاع أعظم المبادرات الدولية إذا لم تكن مدعومة بإرادة محلية صادقة تتجاوز منطق “الغنيمة” نحو منطق “البناء الوطني” الشامل.
في المحصلة، تجد ليبيا نفسها اليوم أمام اختبار بملامح دولية واضحة المعالم وقطبية جليَّة لا تقبل التأويل. المبادرة الأمريكية بقيادة مسعد بولس ليست مجرد ورقة للنقاش في أروقة الفنادق الفاخرة، بل هي إطار عمل جاد يعكس رغبة القطب الواحد في استعادة زمام المبادرة وإعادة ترتيب الفناء الخلفي للقارة الأوروبية.
فإذا استطاعت القوى المحلية أن تتجاوز حساباتها السلطوية الضيقة وتتعامل مع المبادرة كفرصة تاريخية أخيرة لإعادة بناء كيان الدولة المتداعي، فإنها قد تفتح بابًا نحو استقرار طال انتظاره. أما إذا أُفرغت المبادرة من مضمونها وتحولت إلى مجرد صفقة هشة لتقاسم النفوذ المؤقت، فإنها ستنضم سريعًا إلى سجل طويل من المحاولات الفاشلة التي لم تزد البلاد إلا تمزقًا وضعفًا.
وفي كل الأحوال، فإن دخول الولايات المتحدة بهذا الزخم يعني أن ليبيا لم تعد قضية محلية صرفة، بل أصبحت جزءًا أصيلًا من “لعبة كبرى” تُرسم خيوطها في مراكز القرار الدولية، والليبيون وحدهم من يقررون في نهاية المطاف إن كانوا سيستثمرون هذه اللحظة لصالح مستقبلهم أم يتركونها تمرُّ كما مرَّت غيرها من الفرص الضائعة في مهب الريح.
