اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 10

بقلم/ مهدي امبيرش
الاستفهام الذي يتطلب طرحه في كل مرة حول علاقة اللاهوت بطقس التطهير، وكيف أن العالم منذ آدم حتى اليوم يعيش مشكلة المعرفة والبحث عن أسلوب للربط بين المتحقق، والحقيقة، والله، الحق، الذي أوجدهما.
في مداخلات سابقة أشرنا إلى أن أساس الجهل المعرفي هو جهل الإنسان بحدوده، وإن إدراك الإنسان أنه مخلوق محدود، وأن له قدرًا، يجعله يشعر بالقلق ومن ثم يطرح السؤال الكبير والفلسفي ما وجودي وما مصيري، والفراغ بين السؤالين؟
لقد قلنا إن أزمة آدم وزوجه التي ورّثاها بنيهم، أن آدم لم يكتفِ بأنه أُسْكِنَ الجنّة مؤقتًا وأن الجنة على الأرض في مكانٍ عالٍ، وأنه خلق من تراب ثُمّ مرَّ بمرحلة التفوق على التراب بالنفس الحيّة، وأنه تفوق على النفس وقانون الحياة بالروح التي نفخت فيه فصار إنسانًا، ولا يظن ظانٌّ هذه المراحل التفوقية هي ضمن الخطاب الذي يحلو للبعض تسميته بأنه خطاب ديني، أو أنه خطاب وعظي، إلا أن من يتابع سير الأزمات التي مرَّ بها الإنسان يكتشف مدى جهله بهذه الأطوار التفوقية، ربما بدءًا بما يحلو للبعض وصفها بمرحلة التفكير الفلسفي المنظم أو الفلسفة اليونانية، وهي نسبة غير دقيقة، لأن التفكير اليوناني لا يصدق إلا على سقراط وأفلاطون الأثينيان، على الرغم من أنهما إغريقيان، وأن المدرسة الثانية هي التي نشأت في آسيا الصغرى، ونقصد بها المدرسة الكلامية أو السفسطائية. أما المدرسة الثالثة الإغريقية فهي المدرسة المقدونية، أي مدرسة أرسطو والمشائيين، وأن المدرسة اليونانية الأرستوقراطية جاءت ردًّا على المدرسة الطبيعية للمتكلمين، أي مدرسة الانتصار لقوانين الطبيعة واللغة الحية المتحركة في مقابل النزعة التجريدية في الأرستوقراطية، ويلعب أرسطو فيهما دور الوسيط أو الثالوث الوسط بين النزعتين الأرستوقراطية والشعبية.
وقد سبق أن ذكرنا أن أرسطو لم ينكر عالم المثُل الأفلاطوني، عالم الصور المفارق في السماء والمثالي، ولكن، لأنه منطقي ومختص في القضايا المنطقية خصوصًا قضايا الأحكام، فإنه يعترف أن عالم المثل المفارق في السماء والمتجاوز لقانون الطبيعة، الفيزوقراطية أي عالم ما بعد الطبيعة أو الميتافيزيقا فإن أرسطو قد أنزل هذه الصور إلى الأرض، وبذلك يمكن أن نقول إن أرسطو استبدل الحلولية، أي إمكانية حلول المطلق المفارق في السماء بالمحدود الأرضي، بالجدل المعراجي الأفلاطوني الذي قلنا إن أفلاطون نفسه قد تحول بهذا التجريد إلى صوفي عدمي شوماني، حيث استعار من الشومانية الهندية أسلوب التناسخ، عن طريق التخلص من الجسد وإبقاء النفس تمرُّ بمراحل تطهرية، حيث تتقمص حيوانًا من نفس طبيعة صاحبها، ويتعرض هذا الحيوان إلى صنوفٍ من التعذيب حتى تطهر تمامًا، وكما يظهر واضحًا أن أفلاطون الذي حاول التخلص من الجسد أعاده مرة أخرى إلى جسد حي، أي لم يفكر في عملية التطهير المباشر للنفس، لاعتقاده أن النفس طاهرة، وأن الأدران التي لحقت بها كانت بسبب سقوطها من السماء واعتقالها في الجسد المادي، ومن ثَم ونحن نذكر بمقولة سقراط، (الموت مطلب الفلاسفة)، فإن أفلاطون يقدم طريقةً هي الأخرى لخلاص النفس من الجسد أو من الظلمة أو السواد أو الدهماء، في أمثولة الكهف التي تناولناها في المداخلة الفائتة.
هنا يلتقي مصطلح اليودايمونيا عند أفلاطون بمصطلح النرڤانا الهندي، أي الأصول في الهندية إلى الموت الحكمي بالتوقف عن الصيرورة والتغير والحركة والفعل، مع التذكير بالحركات الصوفية الإغريقية القديمة والمتأثرة بالشومانية مثل الأورفيا والإيليسيا والفيثاغورثية، حيث تحولت التجريدية الأفلاطونية إلى صوفية عدمية فيما عُرف بالأفلاطونية الجديدة.
هنا نقرأ أرسطو أنه بهذه المنطقية والمنطق الصوري لا يبحث عن السعادة، بل عن أن يصير الإنسان سعيدًا في كل مرة، أي يحقق الأنتليخيا، وهنا يتحول المطلق الأفلاطوني إلى محدود صوري وضعي، مع ملاحظة أن الوصف بالصوري أنه أبقى على الصور المثالية الأفلاطونية ولم يرفضها، بل ربما نقرأه يقدم صياغة أخرى بنظرية المثل المفارقة في السماء، فأفلاطون يقول إن هذه الموجودات التي ندركها من خلال الحواس ليست سوى ظلال للحقيقة المفارقة، حيث أرسطو وهو الأقرب إلى المنطق وما أثبته البحث في العلم الحديث أن ما نراه نقول إنه بالعين أو السمع بالأذن أو التذوق باللسان أو الشم بالأنف أو اللمس باليد تتحول إلى صور في الذهن، أي أنني مثلًا لا أرى الذي يحيط بي الآن من الموجودات، بل صورها في الذهن، وإذا كانت نظرية أفلاطون كما في محاولة مينون يثبت أن المعرفة هي عملية تذكر لما تبقى في النفس من المُثل الحقيقة في السماء، وأن هذه الموجودات إذا كان لها من مهمة فإنها تثير قدرتنا على تذكر المُثل المفارقة في السماء أو الميتافيزيقية.
ما زلنا حتى الآن نتحدث حول أزمة آدم وزوجه، فآدم لم يكتفِ بقدرته على الربط بين الاسم والمسمى، وأن هذا الاسم موجود ومدرك، وأن الربط بينه وبين المسمى يقترب من مصطلح التضايف، وهذا قريب إلى حدٍّ ما مما ذكره أفلاطون في محاورة كراتيلوس، وأن بعض الأسماء توقيفية، أي أنها إلهية ومقدسة وليست اصطلاحية، فآدم عليه السلام نسِيَ أنه مخلوق مستخلف في الأرض، وأنه محدود، فأراد أن يكون مطلقًا يمتلك الخلد والملك الذي لا يبلى، بل ويخطئ مرة أخرى في استخدام وسيلة محدودة للوصول إلى غاية مطلقة، أي ثمرة الشجرة، بل الشجرة نفسها، لتوصله -وهو المحدود- إلى امتلاك المطلق، إن مشكلة قراءة البعض لهبوط آدم من الجنة لعصيانه بأنه سقوط من السماء ويصفه اللاهوت النصراني بأنه سقط من السماء وهو يحمل الخطيئة الأصلية حيث يقدم المسيح عليه السلام بمثابة القربان الذي قدم نفسه فداءً لأتباعه، وأنه مات من أجل رفع الخطيئة عنه أي أنه المخلِّص، وهنا يكون دور عيسى عليه السلام دور المطهِّر من دنس الخطيئة التي أصابت أتباعه، في حين أن القرآن لا يستخدم مصطلح السقوط، بل الهبوط من مرتفع على الأرض إلى الأرض المتطامنة، وأنه تلقى كلمات من ربِّه فتاب عليه، من ثَم سوف نواصل عرض الربط بين اللاهوت وأزمة المعرفة والثنائيّة حتى اليوم في صورة المدافعين عن الميتافيزيقا والمثالية والمدافعين عن الوضعية أتباع المتكلمين، وقد سبق أن أشرنا إلى أن مصطلح (secularism) ليس العلمانية بتسكين اللام أو تحريكها بل الأرض مقابل السماء ، أو الأرضنة، وأن تحريك اللام يأتي في اعتقاد هؤلاء الوضعيين أن العلم الحقيقي هو المدرك والمتعين والوضعي والفيزيقي.
