التريليون.. سياسات قصيرة الأجل وتكلفة طويلة الأمد

بقلم/ عبد الفتاح الشريف
إن تصريح السيد عبدالله قادربوه رئيس هيئة الرقابة الإدارية بأن حجم الإنفاق العام خلال الــ 14 سنة الماضية تجاوز التريليون دينار أنفقتها الحكومات المتعاقبة حتى نهاية سنة 2025 يقودنا للتساؤل عن كفاءة الإنفاق والسياسات المالية الشعبوية في دولة ريعية دخلها يعتمد على تصدير النفط والغاز ولا يتجاوز عدد سكانها الـ 7 ملايين نسمة، ورغم ضخامة هذا الرقم مقارنة بحجم السكان، والاقتصاد لم يظهر له أثر تنموي ملموس يعكس الإنفاق سواء في البنية التحتية أم في القطاعات الخدمية خاصة في قطاعي الصحة والتعليم، حيث تم توجيه الجزء الأكبر من الموارد إلى بندي الرواتب والدعم (الوقود والكهرباء)، وتم تحديد الإنفاق العام بصوره تكاد تكون عشوائية دون الاستناد على منظومه متكاملة من الأسس العلمية والمؤسسية تجمع بين الاقتصاد الكلي وإدارة المالية العامة والتخطيط الاستراتيجي ولم يتم مراعاة الأسس العلمية عند تخصيص الموارد وأوجه إنفاقها الذي يجب أن يحدد وفقًا لمعادلة علمية تجمع بين القدرة المالية + الأهداف التنموية + الكفاءة الاقتصادية + الانضباط المالي + العدالة الاجتماعية، وبالتالي فإن أي اختلال في أحد هذه المكونات خصوصًا غياب التخطيط المرتبط بالموازنة أو ضعف الرقابة يقود إلى إنفاق مرتفع دون أثر تنموي ملموس.
وإذا ما افترضنا جدلًا أن متوسط الإنفاق السنوي كان في حدود 74 مليار دولار، علمًا بأن الإنفاق العام في السنوات الأولى لم يبلغ حتى ثلث هذا المبلغ، ولم يتجاوز النصف في سنوات أخرى، ولو قسمنا هذا الرقم على عدد السكان فإن متوسط نصيب الفرد سيكون في حدود 10,000 دينار/السنة، وهذا مستوى تمويلي كفيل – نظريًّا – بإحداث تحول اقتصادي ملموس لو تم توظيفه في الاستثمارات الرأسمالية، كما وجب التنويه إلى أن سعر صرف الدينار الليبي أمام الدولار تراوح بين (1.25 – 1.40) في (2011 – 2020)، ثم استقر عند (4.48 – 4.85) خلال (2021 – 2024)، ثم انخفض سعر الصرف إلى (5.50) سنة 2025، أي أن غياب المشاريع الاستراتيجية الكبرى وغياب التحسن الملحوظ في الخدمات العامة يشير إلى اختلال في هيكل الإنفاق، حيث يطغى الإنفاق الجاري (الرواتب والدعم) على الإنفاق الاستثماري المنتج، ووفقًا لمنظور اقتصاديات المالية العامة يعتبر الإنفاق الجاري أقل أثرًا على النمو طويل الأجل مقارنة بالإنفاق الرأسمالي الذي يرفع الطاقة الإنتاجية ويعزز إنتاجية العمل ويجذب الاستثمار الخاص، وعندما تهيمن النفقات الاستهلاكية على الموازنة يتحول دور الدولة من محفز للنمو إلى موزع للموارد دون خلق قيمه مضافة مستدامة.
وفي هذا السياق يمكن فهم ما يحدث ضمن إطار سياسات الإنفاق الشعبوي، حيث تركز السياسات المالية الشعبوية على إجراءات ذات أثر مباشر وسريع على المزاج العام مثل التوسع في التوظيف الحكومي أو تثبيت أسعار الوقود والكهرباء عند مستويات مدعومة بهدف تحقيق رضا اجتماعي قصير الأجل لكسب ود الناخبين من خلال التوسع غير المحسوب في المصروفات دون موارد مقابلة ساهمت في تضخم الدين العام بسبب العجز المتكرر في الموازنات العامة، وبالرغم من الجاذبية السياسية لهذه السياسات فإنها تنطوي على تكاليف اقتصادية مرتفعة على المدى المتوسط والطويل.
فلو نظرنا إلى دعم الوقود والكهرباء نلاحظ أنه يؤدي إلى تشوهات سعرية وسوء تخصيص للموارد غالبًا ما يستفيد منه ذوو الاستهلاك الأعلى على حساب محدودي الدخل، كما أنه يضغط على الحيز المالي ويحد من قدرة الدولة على تمويل استثمارات في التعليم والصحة والبنية التحتية، أما التوسع في الرواتب دون ارتباط واضح بزيادة الإنتاج فيؤدي إلى تضخم الجهاز الإداري وارتفاع الالتزامات الدائمة الأمر الذي يقلل من مرونة المالية العامة في المستقبل.
وتتفاقم هذه الإشكالات في الاقتصادات الريعية، حيث تعتمد الدولة على إيرادات الموارد الطبيعية بدلًا من الضرائب، وبالتالي تضعف المساءلة المالية، لأن العلاقة الضريبية المباشرة بين المواطن والدولة تكون محدودة جدًّا، وهو ما يعزز مخاطر سوء تخصيص الموارد وتوظيفها لأغراض سياسية قصيرة الأمد بدلًا من استراتيجيات تنموية طويلة الأجل، حيث تتقاطع هذه السمات مع أدبيات لعنة الموارد التي تشير إلى أن الوفرة النفطية قد تقترن بضعف المؤسسات وتراجع التنويع الاقتصادي.
أي أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الموارد المتاحة، بل في نوعية استخدامها، فالتنمية المستدامة تتطلب إعادة هيكلة الموازنة لصالح الإنفاق الاستثماري وترشيد الدعم وتوجيهه بدقة وربط الأجور بالإنتاجية وتعزيز الشفافية والرقابة المؤسسية دون ذلك يبقى الإنفاق أداة لشراء الاستقرار الآني لا لبناء اقتصاد متنوع وقادر على الصمود أمام تقلبات المستقبل.
