الساحل الإفريقي في مواجهة النفوذ الغربي

بقلم/ د. رمضان شليق
تشهد منطقة الساحل الإفريقي اليوم لحظة مفصلية بكل ما تحمله الكلمة من دلالات، حيث تتسارع التحولات الأمنية والعسكرية في بيئة إقليمية معقدة تتقاطع فيها المصالح الدولية مع التحديات الداخلية لدول المنطقة. ومن خلال متابعة دقيقة، ووفق مصادر خاصة، يتضح أن دول الساحل دخلت مرحلة إعادة تموضع استراتيجي، عنوانها الأبرز بناء منظومات أمنية مستقلة قادرة على مجابهة التهديدات المتصاعدة.
إن العاصمة المالية باماكو تمثل مركز ثقل حاسم في هذه المعادلة، وأي اختراق أمني واسع فيها ستكون له تداعيات مباشرة على مجمل الإقليم. فالوضع في بوركينا فاسو، التي شهدت خلال الأشهر الماضية محاولات انقلابية متكررة، يكشف هشاشة البنية الداخلية وقابلية المشهد للاهتزاز، كما أن النيجر تندرج ضمن ذات الحزام الأمني، ما يجعل من أمن هذه الدول الثلاث—مالي وبوركينا فاسو والنيجر—قضية مترابطة لا يمكن فصلها.
لقد جاء التحول الأبرز عقب قرار هذه الدول إنهاء الوجود العسكري والاستخباراتي الفرنسي. إن خروج فرنسا يعكس إرادة سياسية واضحة للتحرر من أنماط النفوذ التقليدية، والسعي نحو امتلاك القرار السيادي بعيدًا عن أي وصاية خارجية. هذا المسار، رغم ما يرافقه من تحديات أمنية، يمثل محطة مفصلية في إعادة تشكيل التوازنات داخل القارة الإفريقية.
وفي هذا الإطار، فإن دعم دول الساحل في هذه المرحلة يندرج ضمن سياق أوسع يتصل بمواجهة محاولات إعادة إنتاج النفوذ الغربي عبر أدوات متعددة، سواء كانت اقتصادية أو أمنية أو سياسية. إن هذه الدول، وهي تخوض معركة تثبيت السيادة، تحتاج إلى إسناد حقيقي يعزز قدرتها على الصمود، ويمنحها هامشًا أوسع لإدارة مواردها وبناء شراكات متوازنة.
كما تبرز مؤشرات على أدوار غير مباشرة قد تضطلع بها المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا (الإيكواس)، التي سبق أن استخدمت أدوات الضغط الاقتصادي، ما يعكس طبيعة الصراع المركب في المنطقة، حيث تتداخل الأبعاد الأمنية مع الاعتبارات السياسية والاقتصادية.
إن اتساع رقعة النزاع في الصحراء الكبرى، وتحولها إلى فضاء مفتوح لنشاط الجماعات المسلحة، يجعل من الحسم العسكري مسألة معقدة، خاصة في ظل ما يتوفر لهذه الجماعات من دعم لوجستي وشبكات حركة عابرة للحدود. هذا الواقع يفرض ضرورة تبني مقاربة شاملة تقوم على التنسيق الإقليمي وتعزيز القدرات الذاتية.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال الغياب الليبي عن هذا المشهد، حيث إن ليبيا منذ عام 2011 أصبحت أقل تأثيرًا في التفاعلات السياسية والأمنية في دول جنوب الصحراء، نتيجة الظروف الداخلية المعقدة التي تمر بها. هذا التراجع جاء في وقت كانت فيه ليبيا تضطلع بدور محوري ومؤثر في هذه المنطقة، سواء على المستوى السياسي أو الأمني أو حتى الاجتماعي، وهو ما ترك فراغًا واضحًا في معادلات التوازن الإقليمي.
ومن أخطر ما يرافق هذه التحولات، بروز بعض الطروحات التي تدّعي أن هذه المنطقة وقبائلها تعود إلى أصول أمازيغية، وهي سرديات يتم الترويج لها في بعض المنصات الإعلامية والصفحات ذات الطابع الهوياتي. هذه الادعاءات تفتقر إلى الدقة العلمية والتاريخية، وتتناقض مع الواقع الديموغرافي المعقد للمنطقة.
فالنسيج الاجتماعي في شمال مالي لا يقتصر على مكون واحد، حيث لا يمكن حصره في الطوارق فقط، وإنما يشمل طيفًا واسعًا من المكونات القبلية والعرقية، من بينها قبائل عربية مثل البرابيش والكنته، إضافة إلى مجموعات كبرى مثل الفولاني والبمبارا، إلى جانب أعراق أخرى متعددة، تعيش ضمن هذا الامتداد الجغرافي الواسع. هذا التنوع يعكس طبيعة الساحل كمنطقة تداخل حضاري وثقافي، وليس مجالًا لهوية أحادية أو مشروع عرقي مغلق.
في التقدير الاستراتيجي، فإن منطقة الساحل مقبلة على مرحلة طويلة من إعادة التشكل، عنوانها الصراع على السيادة والنفوذ. وما تقوم به هذه الدول يمثل خطوة في اتجاه إعادة صياغة موقعها داخل النظام الدولي. إن دعم هذا المسار يكتسب أهمية كبيرة في تعزيز الاستقرار الإقليمي، ومنع انزلاق المنطقة نحو مزيد من التعقيد، في ظل التحولات المتسارعة التي تشهدها القارة الإفريقية، وما تفرضه من تحديات تتطلب قراءة عميقة ورؤية استراتيجية بعيدة المدى.
