مقالات الرأي

البحث العلمي.. أول الغيث صرخة!


بقلم / عبدالمجيد قاسم


في ليبيا، وفي معظم دول العالم الثالث، يبدو الباحثون، وهم يلتقون في المؤتمرات العلمية في مختلف المجالات أشبه بالقرَّايا.
والقرّايا بتشديد الراء، هو مصطلح ليبي، يعرفه الليبيون جيدًا، ويدل على مجموعة من الشباب من طلبة القرآن الكريم، تتم دعوتهم في المآتم لقراءة القرآن والدعاء للميت، وغالبًا ما يتم تخصيص مكان لهم، ليقوموا بإنجاز مهمتهم وتناول وجبة العشاء والانصراف دون أن يراهم أحد.. والأمر ليس سرًّا، لكن هكذا تسير الأمور غالبًا.
الباحثون في مختلف المجالات، وخاصة الأكاديميين، وأنا منهم، نمارس نفس الطقوس مع اختلاف الهدف، فالمؤتمرات تعقد، بعد أن تتم الدعوة إليها، وفي كثير من الأحيان الدعوة تتم بالتنادي، حيث يتم تبادل البروشر الخاص بالمؤتمر عبر الرسائل الخاصة، وعلى عجالة تُكتب الملخصات، وتُقبل، ويعقد المؤتمر في قاعات معزولة، وتُمنح شهادات المشاركة، لينصرف الحضور كما التقوا، وربما تترك البحوث في ردهات القاعة التي عقد بها المؤتمر لتجد طريقها إما إلى الأرفف، وإما إلى صناديق المهملات.
الأمر طبعًا لا يخلو من بيان ختامي، صحيح! به توصيات، نعم! لكنها تبقى في مكانها، وغالبًا ما تصاغ كتقليد لا بد منه، لذا فحتى لو وجدت توصيات ذات أهمية في بعض البحوث، فربما يتم إغفالها، ولو ذكرت فلن يسمع بها أحد من صناع القرار، ولو سمعوا بها، فلن يحدث شيء، لأن صناع القرار لديهم ما يشغلهم عن أحلام الباحثين.
إذن، فالبحث العلمي في دولنا لا أهمية له، ومعظم البحوث سطحية، لا تتناول إشكالات حقيقية، ولو تناولتها، فشكليات البحث وعدد صفحاته لا تسمح للباحث بإطلاق العنان لقدراته لتشخيص تلك الإشكالات، ووضع الحلول لها.
عن نفسي، وقبل كتابة هذه الأسطر، حاولت الحصول على إجابة لهذا السؤال: هل توجد إحصائيات للبحوث التي تجد طريقها لغرف صناعة القرار في الدول العربية، أو التي تم الاستشهاد بها في تقارير رسمية، مقارنة بدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا والكيان؟ فلم أجد أية إحصاءات عربية في الخصوص، ووجدت ما مفاده أن الدراسات العالمية تظهر أن نحو 3.9% فقط من الأبحاث يُستشهد بها في وثائق السياسات عالميًّا، ما يعني أن التأثير بطبيعته محدود، لكنه مركَّز في الدول المتقدمة.
وفي هذه الدول (خاصة الغرب)، يشكِّل البحث جزءًا من منظومة صنع القرار عبر مؤسسات وسيطة، حتى إن مئات الآلاف من الوثائق الحكومية تستند مباشرة إلى أبحاث جامعية، وفي هذا يستعمل ما يسمى بخزانات التفكير، التي مهمتها تلخيص البحوث العلمية المعقدة في وريقات يقرؤها صناع القرار في خمس دقائق.
ووجدت أن الكيان، رغم صغر حجمه، يخصص 5% من ميزانيته السنوية للصرف على البحث العلمي، بينما في الدول العربية، لا تتجاوز النسبة المخصصة للبحث العلمي من ميزانياتها الواحد في المائة، وبعض الدول ومن بينها ليبيا، وعن تجربة، لا يظهر البحث العلمي ضمن بنود ميزانيتها، ولماذا يظهر والنتيجة معروفة، فلا أثر إطلاقًا ولا استشهاد بنتائج البحوث العلمية في سياساتنا الوطنية.
والفرق أن الدول المتقدمة تنظر إلى البحث العلمي كاستثمار، يدرُّ مالًا، ويخلق وظائف، ويساعد في التطوير، بينما في دولنا العربية البحث العلمي عبارة عن مصروفات نثرية يمكن الاستغناء عنها!
عمومًا، وحتى لا أطيل، فإن الأمر لا يحتاج إلى نداء، بل يحتاج إلى صراخ وعويل، فنحن متأخرون، ولا حراك صوب مغادرة موضعنا المتأخر والمتخلف، ولا سبيل للمغادرة سوى بالبحث العلمي، فالدول لا تنهض سوى بالعلم، ولا تتقدم سوى بالعلماء والباحثين الحقيقيين لا القرَّايا، وما أرجوه أن تجد مقالتي هذه صانع قرار (باله واسع) يقرؤها، علها تجد صداها لديه، إن لم يكن بالتفكير في الأمر، فليكن بلفت الانتباه، وأول الغيث صرخة!

زر الذهاب إلى الأعلى