هل أصبح الإعلام السلطة الأولى؟

بقلم / ناصر سعيد
في السابق عُرفت الصحافة بلقب “صاحب الجلالة”، أما مصطلح “السلطة الرابعة” فتعود نشأته إلى بداية بزوغ فجر ما سمى -آنذاك- بالأنظمة الديمقراطيَّة، في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، عندما قال المفكِّر البريطاني “أدموند بروك” في إحدى جلسات مجلس البرلمان البريطاني: “هناك ثلاث سلطاتٍ تجتمع هنا تحت سقف البرلمان، لكن في قاعة المراسلين تجلس السلطة الرابعة وهي أهمُّ منكم جميعًا”.
لم يعد توصيف الإعلام بوصفه “السلطة الرابعة” كافيًا لفهم موقعه الحقيقي في بنية القوة داخل المجتمعات الحديثة، هذا المفهوم الذي نشأ تاريخيًّا للإشارة إلى دور الصحافة في الرقابة والمساءلة، بات اليوم بحاجة إلى مراجعة عميقة، في ظل تحولات رقمية هائلة أعادت تشكيل العلاقة بين الإعلام، والجمهور، وصنَّاع القرار.
في العقود السابقة، كان الإعلام يُنظر إليه كوسيط بين السلطة والمجتمع، يراقب، ينقل، ويحلل، ويؤثر بشكل غير مباشر على الرأي العام. أما اليوم، ومع الثورة الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، فقد تحوَّل الإعلام إلى بيئة إنتاج مفتوحة للخطاب العام، تتداخل فيها الحدود بين المنتج والمتلقي، وبين الخبر والرأي، وبين الحقيقة والتأويل.
لقد أصبح الإعلام في صورته المعاصرة -التقليدية والرقمية- قادرًا على التأثير المباشر في تشكيل المزاج العام، وتوجيه النقاشات المجتمعية، وصناعة أولويات الشعوب، في كثير من الحالات، لم تعد السياسات تُصاغ بمعزل عن ضغط الإعلام، بل أصبحت تتأثر بشكل واضح بما ينتجه من موجات رأي عام متسارعة.
وتُظهر تجارب سياسية متعددة حول العالم كيف يمكن للإعلام أن يكون عنصرًا حاسمًا في الانتخابات وصناعة القرار، ففي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، لعبت القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي دورًا مركزيًّا في تشكيل حملات انتخابية حاسمة، حيث أصبحت “الصورة الإعلامية” للمرشح لا تقل أهمية عن برنامجه السياسي، كما أن منصات مثل تويتر وفيسبوك (وغيرهما من الشبكات الرقمية) باتت ساحات رئيسية لتوجيه الخطاب السياسي وإعادة صياغته.
وفي أوروبا، شهدنا كيف أثرت الحملات الإعلامية المنظمة في مواقف الناخبين تجاه قضايا مثل الهجرة والاقتصاد والهوية، إلى درجة أن بعض الاستحقاقات الانتخابية تحولت إلى معارك خطابية تُحسم فيها المواقف قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع.
أما في العالم العربي والنامي عمومًا، فقد تضاعف تأثير الإعلام بشكل أكبر نتيجة سرعة الانتشار وضعف الرقابة المؤسسية على الفضاء الرقمي، ما جعل المعلومة -صحيحة كانت أم مضللة- قادرة على الانتشار خلال دقائق، وإعادة تشكيل تصورات جماعية واسعة في وقت قصير.
إن أخطر ما في هذا التحول أن الإعلام لم يعد مجرد ناقل للحدث، بل أصبح أحيانًا صانعًا له، فالأجندات الإعلامية قد تدفع قضايا معينة إلى الصدارة، بينما تُهمِّش قضايا أخرى، ليس بناءً على أهميتها الموضوعية، بل وفقًا لمنطق الانتشار والتفاعل والاهتمام الجماهيري، وهنا يظهر ما يُعرف في الدراسات الإعلامية بـ”تحديد الأجندة”، حيث لا يخبر الإعلام الناس بما يفكرون فيه فقط، بل يحدد لهم ما الذي يجب أن يفكروا فيه أساسًا.
إضافة إلى ذلك، برزت ظاهرة “صناعة الإدراك”، حيث لا يتم التلاعب بالمعلومات بشكل مباشر دائمًا، بل من خلال الإطار الذي تُعرض فيه، والزوايا التي تُبرز، والسياقات التي تُحذف أو تُخفى، وهذا ما يجعل الإعلام اليوم قوة ناعمة، لكنها بالغة التأثير في تشكيل الوعي الجمعي.
ولا يمكن إغفال الدور المتنامي للذكاء الاصطناعي والخوارزميات في توجيه المحتوى الإعلامي، فالمستخدم اليوم لا يرى كل ما يُنشر، بل يرى ما تقرره خوارزميات المنصات بأنه “الأكثر ملاءمة له”، وهو ما يخلق فقاعات معرفية مغلقة تعزز الانحيازات الفكرية والسياسية، وتعيد إنتاج نفس القناعات داخل دوائر متكررة.
السؤال في ضوء هذه التحولات: هل ما زال الإعلام سلطة رابعة، أم أنه تحوَّل فعليًّا إلى سلطة أولى غير رسمية، تؤثر في الجميع دون أن تخضع للضبط أو المساءلة؟
الواقع يشير إلى أن الإعلام لم يعد مجرد أداة من أدوات السلطة، بل أصبح طرفًا فاعلًا في بنية السلطة ذاتها، فهو لا يراقب فقط، بل يوجه؛ لا ينقل فقط، بل يصنع؛ ولا يعلِّق فقط، بل يشارك في تشكيل القرار، ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يعني بالضرورة نهاية دور المؤسسات السياسية أو التشريعية، بقدر ما يعني دخول العالم في مرحلة جديدة من تشابك السلطات، حيث تتداخل السياسة مع الإعلام، والاقتصاد مع المنصات الرقمية، والرأي العام مع الخوارزميات.
في النهاية، ربما لم يعد السؤال: هل الإعلام سلطة رابعة أم أولى؟
بل أصبح السؤال الأهم: من يملك القدرة على تشكيل الوعي العام؟ وكيف يمكن ضبط هذه القوة دون المساس بحرية المعرفة والتعبير؟
وكيف ننظر الى إعادة ضبط الإعلام ومصداقيته دون التحكم في العقول وفق ما قال (مالكوم إكس) “وسائل الإعلام هي الكيان الأقوى على وجه الأرض لديها القدرة على جعل الأبرياء مذنبين وجعل المذنبين أبرياء، وهذه هي القوَّة، لأنها تتحكَّم في عقول الجماهير”؟
