مقالات الرأي

حين يتحول الطب إلى أداة للعنف


بقلم/ سعاد علي الجروشي


في أوقات النزاعات، قد تُستغل المؤسسات الصحية لإلحاق الضرر بدل الحماية، فتتحول من ملاذ آمن إلى مساحة تهدد الحياة. وهنا تبرز أخطر الانتهاكات حين يُستخدم العلم والطب لخدمة العنف، أو للتواطؤ في إخفائه.
قد يظهر ذلك في استخدام المعرفة والسلطة الطبية لإيذاء الأفراد أو الجماعات بدل حمايتهم، من خلال الامتناع المتعمد عن تقديم الرعاية، أو المشاركة في إجراءات ضارة أو غير أخلاقية، أو تسخير الخبرة الطبية لدعم سياسات قاسية، كالحرمان من العلاج، أو تشويه التقارير الطبية، أو المشاركة في التعذيب الجسدي والنفسي.
كما يمتد الأمر إلى انحراف العمل المخبري والعلمي عن دوره الإنساني، عبر التلاعب بنتائج الفحوصات لإخفاء الجرائم أو تبرير الاعتداءات، أو استخدام المختبرات في تجارب قسرية أو خطرة على المدنيين، أو تعطيل خدمات التشخيص ومنع المرضى من الحصول على نتائجهم، أو استغلال البيانات البيولوجية والصحية بما يهدد حياة فئات مستهدفة.
وتترتب على هذه الممارسات أضرار إنسانية وصحية جسيمة، من بينها فقدان الحق في العلاج والنجاة، وارتفاع معدلات الوفيات، إلى جانب الألم النفسي العميق الناتج عن فقدان الثقة في الجهات التي يفترض أن تحمي الحياة، وحرمان الأسر من معرفة الحقيقة حول أسباب وفاة ذويهم.
كما تمتد الأضرار إلى البعد النفسي والاجتماعي، حيث تنهار الثقة في المؤسسات الصحية والعلمية، وتتعرقل قدرة المجتمع على التعافي بعد انتهاء الصراع، وينتشر الشعور بعدم الأمان الصحي، مع فقدان منظومة الإنقاذ الأساسية.
وعلى المستوى القانوني والسياسي، تسهم هذه الممارسات في طمس الأدلة الطبية الضرورية لإثبات الجرائم أمام المحاكم، وتعزز خطاب الجناة عبر تقارير مضللة تُستخدم لتبرير الاعتداءات، كما تضعف المساءلة بسبب غياب أو تشويه الوثائق العلمية الموثوقة.
أما على المدى البعيد، فتخلِّف هذه الانتهاكات أضرارًا أخلاقية ومجتمعية عميقة، إذ تُشوِّه رسالة الطب وتحوله إلى أداة للعنف، وتخلق سابقة خطيرة يُستباح فيها العلم لخدمة القوة، ما يؤدي إلى تآكل قيمة الحياة الإنسانية.
ومن هنا تبرز أهمية تعزيز مناهج الأخلاقيات الطبية والمخبرية لتشمل حالات النزاعات بشكل صريح، وفرض رقابة مستقلة على المؤسسات الصحية في المناطق المتوترة، إلى جانب حماية العاملين الصحيين الذين يرفضون المشاركة في هذه الممارسات، وتوفير قنوات تبليغ آمنة لهم.
كما يجب تجريم هذه الانتهاكات باعتبارها جرائم جسيمة، وتوثيقها عبر لجان دولية محايدة، ومحاسبة الأفراد والمؤسسات المتورطة أمام محاكم مختصة، دون الاكتفاء بالمساءلة الإدارية.
ومن الضروري أيضًا دعم المنشآت الصحية المستقلة التي يمكن أن تخدم الضحايا بعيدًا عن أي نفوذ، وتوفير رعاية نفسية للناجين، لا سيما أولئك الذين تعرضوا لإهمال أو إيذاء مقصود، مع نشر الوعي المجتمعي حول حقوق المرضى في أوقات النزاعات وكيفية حمايتها.
ولا يقل أهمية عن ذلك جمع الأدلة الطبية والمخبرية من قبل جهات موثوقة، وحفظها وفق معايير تمنع العبث أو الطمس، وتدريب الكوادر على آليات التوثيق الآمن، إضافة إلى إنشاء منصات رقمية مؤمنة لتجميع التقارير الطبية المرتبطة بهذه الجرائم.
ختامًا، تُعدُّ هذه الممارسات من أخطر الانتهاكات، لأنها لا تكتفي بإزهاق الأرواح، بل تزعزع أسس العدالة وتشوِّه أقدس المهن. إن حماية الطب من الاستغلال، وتعزيز استقلاله الأخلاقي، ومحاسبة كل من يحيد عن رسالته، تمثل خطوات أساسية لحماية الإنسانية وبناء مستقبل أكثر عدلًا وكرامة.

زر الذهاب إلى الأعلى